سابعا : خصوصية الطابع الإلهى :
يستطيع كل متابع منصف للقرآن أن يجد تلك الخصوصية في كل سوره وآياته ابتداء من أول المصحف ترتيبا أو تنزيلا ، فأول المصحف ترتيبا قوله سبحانه :
( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ * الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ )
. . . إلخ سور الفاتحة .
فإنك لو فتشت في سائر كلام البشر لن تجد هذه الروح الدالة على القوة والهيمنة والتي نستشعرها ونحن نتأمل تلك الآيات الدالة على الكمال والجلال ؛ إذ لا يكون الحمد كل الحمد ابتداء وانتهاء إلا للّه الخالق المالك المسيطر ، ولهذا عرف الحمد فأفاد فائدتين : الأولى هي الاستغراق ، والثانية الاختصاص ، أي الحمد كل الحمد للّه وحده ، فضلا عن الفائدة الثالثة المفادة من دلالة متن الحمد على " الثناء باللسان من صميم القلب مع موافقة الجوارح " « 1 » .
وفي كل من الحمد والشكر ثناء لكن الحمد رأس الشكر « 2 » ، وإذا كان العبد يشكر ربه على نعم خاصة ينعم بها عليه فإنه يحمده لذاته المستحقة للحمد والثناء لأنه القادر المنعم بالنعم العظيمة على سائر الخلق ، ولعظم الحمد أتبعه بما يدل على استحقاق الخالق له فهو
( رَبِّ الْعالَمِينَ * الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ )
.
الصفة الأولى : تعنى شمول الملك والهيمنة والتدبير والتصريف ؛ لأن العالمين كل ما سوى اللّه ، والرب هو المالك السيد المدبر - وذلك في الحياة الأولى - والرحمن رحمن الدنيا والآخرة للمؤمنين والكافرين ، والرحيم رحيم الآخرة للمؤمنين خاصة .
هامش
( 1 ) فتح القدير 1 / 16 دار الكتاب العربي .
( 2 ) ورد عن عمر بن العاص أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : الحمد رأس الشكر ، وما شكر اللّه عبد لم يحمده " راجع المصدر نفسه 1 / 18 .