هذا إيذاء وإيلام لصاحب الرسالة وتحريض للسفهاء على النيل منه ، بل وتحريض سائر الناس على الابتعاد عنه .
د - تكثيف الاستفهام التقريرى في السياق الذي يتطلب هذا التكثيف حتى تجد عددا من هذا النوع يتوالى ويزيد عن بقية ما جاء في سائر السورة كقوله تعالى :
( قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَ فَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ )
[ المؤمنون : 84 - 89 ] « 1 » .
هذه الآيات تعد منهجا في دعوة المعاندين الذين إذا كانت لهم وقفة تذكير وتقرير عادوا إلى أنفسهم وانتزعوا الحق منها ، وكان الخطاب هنا للرسول صلى اللّه عليه وسلم ليسألهم سؤال تقرير عن مالك الأرض التي يعيشون عليها ، ورب السماوات التي تظلهم ويتطلعون إليها ورب العرش العظيم ، ومن يملك الكون كله ، لا شك أن هذه الأسئلة التي تقع في نفس المعاند من فطرته وتوقع الهيبة في نفسه تجعله في مراجعة لتلك النفس لا يملك بعدها سوى الاعتراف ، والعليم الخبير الذي خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه يخبرنا مقدما عما ذا ستكون إجاباتهم ، ولن تكون سوى الاعتراف : سيقولون للّه .
إن تتابع هذه الاستفهامات التقريرية مع الترقي فيها إنما كان بقصد الالتفاف على الفطرة السوية وإيقاع الهيبة في نفس المعاند حتى لا يملك سوى الإجابة كما أخبر العليم الخبير ، وقد عقب على الاعتراف في كل سؤال من هذه الأسئلة بسؤال آخر مرتب على ذلك الاعتراف
( قُلْ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ )
.
فلما ترقى في السؤال الثاني إلى ما يوقع الخشية قال بعده :
( أَ فَلا تَتَّقُونَ )
فلما ترقى إلى ما هو أشمل من ذلك كله وهو السؤال عن مالك الكون كله ، عقب على
هامش
( 1 ) يجير : يغيث ، لا يجار عليه : لا يغيث أحد أحدا من عذاب اللّه كما ذهب الفراء والزجاج ونقله الشوكاني 2 / 227 .