مستغيثين دون فائدة ، وهنا يذكّرهم بأنهم لا عذر لهم ، فقد كانت آيات اللّه تتلى عليهم فلا يستمعون ، وكانوا ينكصون على أعقابهم فرارا واستكبارا ، وكانوا يتخذون حلقات السمار لصرف الناس عن القرآن وهجره ، لهذا فإنه يوبخهم ويقبح ما كان منهم من تفريط ، فلما تعددت قبائحهم تعدد توبيخهم وتأنيبهم بتلك الاستفهامات التي تشدد النكير عليهم وتنبههم لأخطائهم ، وهذه الأشياء المنكرة :
1 - أنهم لم يعطوا لأنفسهم فرصة للاستماع للقرآن وتدبره حتى يكون حكمهم عليه صحيحا ، ولكنهم رفضوه رفضا أحمق دون تفكير
( أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ )
.
2 - أنهم لم يأتهم بدع من الرسالات ، فقد نزل نظيره في الدعوة إلى عبادة اللّه وحده على آبائهم الأولين
( أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ )
.
3 - أن رسولهم الذي جاءهم بهذا القرآن يعرفونه ويعرفون صدقه وأمانته :
( أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ )
.
4 - أنهم لم يكتفوا بالرفض ولكنهم تجاوزوه إلى الشتم والإيذاء :
( أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ )
[ المؤمنون : 70 ] .
5 - أنه قد ثبت لهم نصحه وأنه لا يسعى لمصلحة شخصية فلا يطالبهم بخرج أو أجر ولكنه يبلغ رسالة ربه :
( أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ )
[ المؤمنون : 72 ] .
وهكذا تعددت تلك الاستفهامات الإنكارية وتوالت لتوالى ما يستوجبها من تلك الأفعال والمواقف المستقبحة والتي استدعت تأنيبا بعد تأنيب وتوبيخا بعد توبيخ .
وتخير الأداة ( أم ) المنقطعة والدالة على معنى الإضراب والانتقال من استفهام إلى استفهام ومن توبيخ إلى توبيخ يدل على أنه يترقى في التوبيخ ، وأن التالي أشد في الإنكار من السابق ، ولذا نجد إنكار اتهامهم للرسول صلى اللّه عليه وسلم بالجنون يأتي رابع هذه الأمور المنكرة ؛ لأنه ليس رفضا فحسب ولكنه مع