تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة ) — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧
وعلى هذا فتغيير أداة العطف من ثم إلى الفاء والعكس لم يراع فيه التعقيب أو التراخي الزمنى كمراعاته في سورة الحج في قوله تعالى :
( فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا )
. . . [ الحج : من الآية 5 ] . إنه في سورة ( المؤمنون ) لا يراعى عند العطف ثم أو الفاء تعقيبا أو تراخيا زمنيا ، ولكنه يتجه إلى اعتبار آخر روعى فيه شعور الإنسان بالزمن ، ولا ريب في أن إحساسنا بالزمن يتفاوت بتفاوت مواقفنا مما يحدث فيه استبطاء أو تعجلا أو ترقبا أو ذهولا أو غفلة ، والإحساس بالزمن يختلف بطء أو سرعة من حال إلى حال ، وقد تنوعت الأداة المعطوفة على هذا الأساس واللّه أعلم . ففي بداية التكوين في رحم الأم يكون الترقب شديدا ويكون إحساس الأبوين بالوقت بطيئا ويكون اليوم أياما والشهر شهورا حتى إذا بدت أمارات الحمل قل القلق وخف الانتظار والترقب حتى تدخل المرحلة الأخيرة ، ولهذا تجاوز المراحل الوسطى سريعا بالفاء مراعاة لهذا في قوله :
( فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً )
( فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً )
( فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً )
حتى إذا أحس الأبوان بقرب الولادة عاد القلق وبدأ الترقب والانتظار وعد الأيام والليالي ، وقد روعى هذا الإحساس بالزمن فعبر بثم في المرحلة الأخيرة
( ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ )
. ويمكن الاستئناس في هذا بقوله تعالى :
( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ )
[ الأعراف : 189 ] فقد ركز هنا على تلك المرحلتين اللتين يكون الترقب فيهما شديدا والقلق عظيما ، المرحلة الأولى :
( حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ )
.