شهرا وقد يكون سنة وقد يكون عمرا وقد يكون دهرا كاملا كما في قوله
( ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ )
.
فإذا بدأنا مع تلك المعاني وجدنا العطف بثم جاء بداية للدلالة على أن المدة الزمنية بين اكتمال خلق آدم من طين وبين إنجاب ذريته كانت سنين بعد خلق حواء وإبداع آدم نطفته في قرار منها مكين ، وهذه أولى مراحل نمو الجنين .
وتجئ ( ثم ) عاطفة للمرحلة الثانية وهي
( ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً )
وقد حدثنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن النطفة تستغرق في طريق تحولها إلى علقة أربعين يوما ، وهذه وفق حساباتنا مدة ليست قصيرة ، لذلك عطف بثم ، والخلق هنا خلق تحويل وتصيير ، لكن لما كانت المرحلة التالية مختلفة عن الأولى صارت كأنها خلق جديد ، ولهذا قال :
( ثُمَّ خَلَقْنَا )
ولم يقل حولنا أو صيرنا .
وعند الانتقال للمرحلة الثالثة وهي المضغة التي تستغرق أربعين يوما كذلك حتى تصير بمقدار ما يمضغ عطف بالفاء
( فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً )
وهذا عجيب ، يقول أبو السعود : " واختلاف العواطف للدلالة على تفاوت الاستحالات " « 1 » يعنى عطف بثم تارة وبالفاء تارة مع أن المدة الزمنية الفاصلة واحدة في الحالين للدلالة على الاختلاف الكبير بين تحويل وتحويل ، فالتحويل من النطفة إلى العلقة غير التحويل من العلقة إلى المضغة ، وهذا قريب من التعليل الذي علل به العودة إلى ( ثم ) في قوله :
( ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ )
يقول : " وثم لكمال التفاوت بين الخلقين " « 2 » .
لكن الظاهر - واللّه أعلم - أن تفاوت المراحل قد دل عليه بإعادة الفعل
( خَلَقْنَا )
حتى قوله :
( فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً )
وكأن كل مرحلة من النطفة إلى تكوين العظام خلق قائم بذاته ، ففي هذا لفت على التأمل في كل مرحلة على حد للوقوف على قدرة اللّه فيها ، وقال بعد هذا
( فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً )
فعطف بالفاء للإشارة إلى أنه رغم أهمية هذه المرحلة فإنها كالمكملة لما قبلها .
هامش
( 1 ) 4 / 26 إرشاد العقل السليم ويقصد بالاستحالات : التحولات والمراحل .
( 2 ) 4 / 26 إرشاد العقل السليم ، والخلق الآخر هو اكتمال صورة البدن بعد نفخ الروح .