إيمانهم تحقيقا عمليا بتلك الصفات التي تحتاج إلى عزيمة وهمة ، وقد أسهم ذلك الإيقاع السريع المتوازن في تحريك العزائم والهمم .
2 - وصوت التوازن الإيقاعى في سورة " المؤمنون " عال على كل حال حتى تجد فواصل السورة كلها على نهاية واحدة هي النون المسبوقة بحرف اللين الممدود واو أو ياء ما عدا أربع آيات متفرقات تنتهى بحرف الميم المسبوق بحرف اللين ( الياء ) ولا يشعر المستمع بفرق كبير ، وهذه الآيات هي 51 ، 73 ، 86 ، 116 ، والعجيب أنها تنتهى جميعا بأسماء للّه تعالى مثل ( عليم ) ، و ( عظيم ) و ( كريم ) وهذا أي اتفاق فواصل السورة الواحدة بهذا الطول أمر نادر في سور القرآن ، ولا يوجد إلا لدواع قوية ، وهو على كل حال يسهم في تحقيق التوازن الصوتي الملحوظ بشكل لافت في هذه السورة ، ولا تزيد نسبة الإحساس لهذا التوازن إلا إذا قصد اللفت إلى معان خطيرة ، ولا عجب في هذا ، ففي سورة ( المؤمنون ) معان لم تتردد في سورة أخرى ، مثل الجمع بين تلك الصفات التي تحقق فلاح المؤمنين ، والحديث المفصل عن مراحل تكوين الجنين مما يدخل في الإعجاز العلمي الذي لفت كثيرا من المشتغلين بالعلوم التجريبية ، فضلا عن الإعجاز البياني الذي أدى تلك الأفكار العلمية .
ومن تلك المعاني التي لا نجدها في سورة أخرى تصحيح الأفكار المقلوبة في عقول الكفار لأنهم يتوهمون أن ما هم فيه من زيادة في الأموال والأولاد والحضارة المادية عموما ، يتوهمونه دليلا على خيريتهم وأفضليتهم فقال سبحانه في هذه السورة :
( أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ * نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ )
[ المؤمنون : 55 - 56 ] ، ثم النص على الجديرين بالخيرية والأفضلية في قوله :
( إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ )
[ المؤمنون : 57 ] إلى الآية 62 وغير ذلك من المعاني التي تختص بها هذه السورة والتي كانت على قدر من الأهمية بحيث اقتضت توافق جميع فواصلها تقريبا وعلو منسوب التوازن الصوتي فيها .