الزكاة لم يتردد في داخل كل جملة منها هذا الضمير
( وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ )
[ المؤمنون : 3 - 4 ] .
لكن مجرد انفصال الضمير في هاتين - وإن لم يتردد في داخل كلّ على حدة - يفيد نوعا من التنويه والثناء على الموصوفين باختصاص هذه الصفات بهم وانحصارها فيهم ثم تجد الآية الرابعة وقد انفصل الضمير فيها وتردد
( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ )
ثم تردد ثلاث مرات من غير انفصال في الآية الخامسة
( إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ )
وفيما تلا هذا من آيات ، وترديد الضمير منفصلا ومتصلا مرات متعددة في تلك المساحات المتقاربة يحقق نوعا من الإيقاع المشعر بالتوازن والانسجام في حياة المؤمن الذي بلغ درجة الإحسان في طاعته للّه فعلا وتركا .
وتنتهى تلك الصفات بقوله تعالى :
( وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ )
في إشارة إلى مزيد من العناية بالصلاة إذ بدأ بها وبها انتهى وليست تكرارا ، لكنها في الأولى تنص على الخشوع في أداء الصلاة وفي معانيها وفي المرة الثانية تنص على المحافظة عليها في مواقيتها الخمسة المعروفة ، ولهذا جمع الصلاة هنا باعتبار تعدد الصلوات ، وعبر بالمضارع في
( يُحافِظُونَ )
لتجدد المحافظة بتجدد الأوقات مع الاستمرار على هذا ، وهو ما يسمونه بالاستمرار التجددي .
وحاصل هذا أن هذه السورة بدأت بعدد من الآيات القصيرة التي تتبع الآية الأولى في اتصال وتوال وترابط ، مع التصرف في النظم تصرفا يؤدى إلى فوائد معنوية ، مع تحقيق نوعين من التوافق النغمى في الوقت نفسه : أحدهما في الفواصل ، والثاني في داخل الآية نتيجة ترديد ضمائر واحدة في مساحات متقاربة مما يؤدى إلى الشعور القوى بحركة الإيقاع والتوازن .
وكل حسن صوتي هو من أجل المعنى ، وكلما ازدادت درجة الإحساس بالإيقاع والنغم كان هذا دليلا على أهمية المعنى ، ويكون المقصود مزيدا من جذب النفوس إليه ، وما أعظم ما أثنى اللّه به على المؤمنين الذين أفلحوا عندما حققوا