تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة ) — صفحة 302

مساهمون:

ص٣٠٢
وتمضى السورة مرورا بحلقات متعددة من المعاني هي من التفريع أو التوليد أو الاستطراد ، ويلفتنا في بناء هذه السورة عدة ظواهر منها : 1 - البداية بآيات قصيرة مشدودة بعضها إلى بعض على سبيل التبعية للآية الأم التي تتكون من جملة واحدة مما يؤدى إلى حسن الإيقاع الناشئ من تقارب الفواصل مع تماسك المعاني وشدة ارتباط أجزائها المتوالية على سبيل التبعية :
( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ . .
الخ ) [ المؤمنون من 1 : 5 ] وفي داخل هذه الجمل يلحظ نوعين من التصرف في النظم ، كل تصرف يؤدى إلى ميزة أو أكثر ، التصرف الأول : تقديم الجار والمجرور
( فِي صَلاتِهِمْ )
على الخبر
( خاشِعُونَ )
تقديما يفيد العناية بالصلاة لأدائها على الوجه المطلوب ، مع ما يؤدى إليه هذا التقديم من توافق الفواصل وحسن الإيقاع ، ثم إن صيغة الاسم
( خاشِعُونَ )
تدل على ثبوت هذا الوصف واستمراره حتى أصبح ديدنهم الذي يلزمونه في كل صلاة وفي أي جزء من الصلاة . التصرف الثاني : إظهار ضمير المتحدث عنهم مفصولا ( هم ) إذ كان يمكن أن يأتي التعبير عن المعنى صحيحا من غير إظهاره كأن يقول : الذين يخشعون في صلاتهم ، أو الذين في صلاتهم يخشعون أو خاشعون ، لكن المعنى هنا يتجاوز الصحة إلى إفادة خصوصيات ومزايا جديدة منها تخصيص هذه الصفة بالمؤمنين الذين أفلحوا ، وكذا فيما عطف عليه ، وهذا يعنى اختصاص الخشوع بالمؤمنين الذين كتب لهم الفلاح ، فمن حرم من الفوز والفلاح لا تجده يخشع فتكون صلاته كلا صلاة . وهناك ميزة صوتية مرتبة على إظهار ذلك الضمير وهي التوافق النغمى مع نفس الضمير في ( صلاتهم ) وهو توافق ناشئ عن الترديد المتجاور ، وهو يشعر بتوازن الأداء في الصلاة ، فلا ريب أن تناسق الأداء الصوتي يتسق مع الأداء الحركي المتزن الخاشع في الصلاة ، ويؤكده أن الإعراض عن اللغو وإيتاء
إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة ) — صفحة 302 | محمد ابراهيم شادي