فالمناسبة بين هذه الآية وما قبلها غير ظاهرة ، إذ يا ترى ما ذا تكون الصلة بين إرسال نوح إلى قومه وبين نعمة اللّه في الأنعام التي تتعدد منافعها وفي كل منفعة عبرة ، ونحمل عليها وعلى الفلك أثقالنا ؟ .
ونجد المفسرين الذي يعنون بمثل هذه المناسبات يجتهدون اجتهادات تصب عند الشوكاني الذي أحسن تجميعها وإيجازها في قوله : " لما ذكر الفلك أي في قوله
( وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ )
أتبعه بذكر نوح لأنه أول من صنعه ، وذكر ما صنعه قوم نوح معه بسبب إهمالهم للتفكر في مخلوقات اللّه سبحانه والتذكر لنعمه عليهم فقال :
( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ )
. . وفي ذلك تعزية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وتسلية له ببيان أن قوم غيره من الأنبياء كانوا يصنعون مع أنبيائهم ما يصنعه قومه معه " « 1 » .
ظواهر الصياغة والإيقاع اللافتة في سورة ( المؤمنون ) :
سورة ( المؤمنون ) مكية نزلت في أواخر العهد المكي بعد سورة الأنبياء التي نزلت بعد الإسراء وقبيل الهجرة ، وذلك بعد أن تكررت الدعوة إلى التوحيد وقد بلغ الصراع أشده بين المؤمنين والكافرين في هذه الفترة ، حينئذ نزلت سورة ( المؤمنون ) تشد من أزر المؤمنين وتبشرهم بالفلاح إن هم حققوا إيمانهم بالخشوع في صلاتهم ، وكانوا عن اللغو معرضين وللزكاة فاعلون ولفروجهم حافظون . . إلخ يعنى وثّقوا صلتهم باللّه عن طريق الإحسان فيما فرضه اللّه عليهم ، وصانوا ألسنتهم وفروجهم ، وذلك ضمانا لطهارة المجتمع المسلم ونظافته ، وسعيا إلى حسن العاقبة في الآخرة :
( أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ )
[ المؤمنون : 10 - 11 ] .
ولما كان هذا يعنى الإقرار بالبعث والحساب والجزاء ، وكان هذا موضع شك وجدل كبير من الكفار برهن عليه بقدرته سبحانه على خلقهم ابتداء مع التفصيل في مراحل خلق الجنين بما يؤكد على قدرته سبحانه .
هامش
( 1 ) فتح القدير ، 2 / 213 .