تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة ) — صفحة 299

مساهمون:

ص٢٩٩
أناة ومعاناة حتى يستقيم له السبيل ويعرف مواضع الأقدام ، وهو في كل الأحوال لا بدّ أن يستلهم إشراقات الفتوح ويسترفد عطاءات التوفيق من اللّه سبحانه . ومع هذا فإن اللّه قد اقتضت حكمته ألا يفضى النص القرآني بكل ما فيه ، ومهما أعطى فعطاؤه لا ينفد ، والصلات والمناسبات بين الآيات والأغراض داخلة في صميم مرادات القرآن وغاياته ، فقد تستنبط معنى وحكما لا من متن ألفاظ الآية ولا من صياغاتها ولكن من صلتها بآية أخرى مجاورة لها ملاصقة ، أو قريبة منها من غير جوار ولا لصوق وأصحاب المعايشات الطويلة للقرآن يعرفون هذا ، ويقرون بأنه قد يدق وجه لصلة ويغمض بين آية وجارتها كما سبق في قوله تعالى :
( وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً )
[ طه : من الآية 114 ] وصلته بما قبله وما بعده . وكقوله تعالى :
( إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ )
[ الحج : 38 ] ، فقد جاءت هذه الآية بعد سياق الحديث عن الحج وتعظيم شعائر اللّه مع التركيز على الذبح باسم اللّه تقربا إليه حتى يصل إلى قوله تعالى :
( لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ )
[ الحج : 37 ] ، فما صلة هذا بقوله بعده
( إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا )
. . يقول أبو السعود : " كلام مستأنف مسوق لتوطين قلوب المؤمنين ببيان أن اللّه تعالى ناصرهم على أعدائهم بحيث لا يقدرون على صدهم عن الحج ليتفرغوا لأداء مناسكه " « 1 » . وهذا ربط جيد يأخذ بمفهوم وظروف الكلام السابق واستشعار صلته بالكلام اللاحق ، فمناسك الحج تحتاج إلى إحساس بالأمن عند أدائها ، فكان قوله بعدها
( إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا . )
على سبيل الطمأنة ، لكن اللافت أنه كان لا يركز في حديثه السابق على تفاصيل المناسك وكيفيات أدائها ، وإنما كان يحرص على روح تلك العبادة ويسعى لتحقيق تقوى القلوب واستحضارها عظمة اللّه وخشيته ، حتى
هامش
( 1 ) إرشاد العقل السليم 4 / 13 .