( فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ * ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَ فَهُمْ يُؤْمِنُونَ )
[ الأنبياء : 5 ، 6 ] .
فهذا رد منطقي لعدم إجابتهم إلى ما كانوا يطلبون من تحويل جبال مكة ذهبا أو تفجير الأنهار من تحتهم ليزرعوا وغير ذلك ، لعلمه سبحانه أنها إذا جاءتهم لن يؤمنوا وحينئذ تتحقق فيهم سنة اللّه في الهالكين بالعذاب من قبلهم عندما كانوا يجابون إلى ما يطلبون فلا يؤمنون ، فكأن عدم إجابة كفار قريش إلى ما يطلبون هو من باب الرحمة بهم أو بمن يؤمن منهم فيما بعد أو بمن يخرج من أصلابهم مؤمنا ، وهو برهان يعتمد على الملاينة والاستدراج والاستمالة .
ومن أساليب الإقناع والملاينة قوله تعالى :
( لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَ فَلا تَعْقِلُونَ )
[ الأنبياء : 10 ] . يعنى حسبكم ما هو أفضل لكم من تلك الآيات الوقتية ، فقد أنزلنا إليكم ما هو برهان وذكر لكم وشرف ، ويحركهم للتفكير في هذا في فاصلة الآية .
ومن وسائل استمالتهم للتفكير سؤالهم عن آلهتهم التي يعبدونها وهل هي قادرة على خلقهم وإعادتهم وبعثهم كقدرته سبحانه
( أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ )
[ الأنبياء : 21 ] . ثم تقديم أقوى برهان على انفراد الخالق سبحانه بالملك والألوهية في قوله :
( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ )
[ الأنبياء : 22 ] .
ثم يطالبهم في المقابل بتقديم برهانهم على صحة ما اتخذوه من دونه من آلهة :
( أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ . . )
[ الأنبياء : من الآية 24 ] .
وهكذا تتوالى البراهين « 1 » وتمضى خطوة خطوة في ملاينة رفيقة نحو التسلل إلى بقية تفكير عندهم ، بحيث لا يملكون - إن هم فكروا - سوى التسليم بوحدانية الخالق سبحانه وانفراده بالألوهية والقدرة وكان من ثمرات الملاينة الرفيقة أن نجد في نهايات السورة
( وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ )
[ الأنبياء : 107 ] ، وكان من
هامش
( 1 ) راجع آية 42 ، 43 الأنبياء