تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة ) — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
ومما لفتنى كذلك وجود التصدير أو ما يسمى برد الإعجاز على الصدور بطريقة لا نظير لها في كلام العرب ، فقد استشهدوا له بالجملة من النثر وبالبيت من الشعر وبالآية أو بنصف الآية ، لكن من يتأمل كثيرا من سور القرآن يجد الأعجاز مردوده على الصدور والبدايات حتى تستغرق المسافة الفاصلة بين العجز والصدر سائر السورة أو معظمها ، وقد رأينا آية 113 من سورة طه
( وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا )
مردوده على آية 3 وهي قوله
( تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى )
وأظهر منه رد آخر سورة ( المؤمنون ) وهو قوله تعالى :
( إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ )
على أولها
( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ )
، ولا شك في أن هذه الظواهر تسهم في تماسك بناء السورة القرآنية مهما طالت بحيث لا يشعر من يتابع السورة بأي فجوة في بنائها أو تفاوت في نظم آياتها ، بل إن لكل سورة إيقاعا خاص ناشئا من تشابه وحدات النظم وطرائقه ، وتوافق الفواصل أو تقاربها ، وترديد الضمائر الواحدة منفصلة ومتصلة في مساحات متقاربة أو متجاورة .

ب - من عوامل تماسك البناء في السورة القرآنية :

من أهم عوامل تماسك البناء في السورة القرآنية ترديد معان أساس وإن شئت فقل رؤوس معاني السورة حتى تجد هذه المعاني المرددة هي العصب الذي يمسك بناء السورة ، وهي الأقطاب التي تدور سائر المعاني حولها وتتفرع عنها . وعندما ننظر في سورة الأنبياء مثلا نجد أقطاب المعاني فيها :

1 - الإنذار بقرب الساعة :

ففي بداية السورة يخبر باقتراب الحساب والناس في غفلة :
( اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ )
[ الأنبياء : 1 ] وفي وسطها يخبر بالإعداد لهذا الحساب الدقيق
( وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ . . )
[ الأنبياء : من الآية 47 ] . وقرب نهايته السورة يعود للمعنى مع تصوير الفزع والندم
( وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ )
[ الأنبياء : 97 ] .