تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة ) — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
سبب العجلة هو خشية أن يتفلّت منه شئ كما ذكر المفسرون ، فيكون هذا النهي قد جاء لمناسبة موقف خاص عند نزول الوحي بهذه الآيات واللّه أعلم . أما صلة قوله بعده
( وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً )
[ طه : 115 ] ، بما قبله :
( وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ . . )
[ من الآية 13 : طه ] ، فإن الآية ( 115 ) تتضمن تعليلا لتصريف الوعيد في القرآن أي تجديده وتعديده في سور متعددة ، فسببه نسيان الناس وحاجتهم للتذكير وقتا بعد وقت ، وهو النسيان الذي ورثوه من أبيهم آدم
( وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ )
. وهذا من التخلص الخفي ، وله نظائر في القرآن كثيرة تحتاج إلى تأمل قبل التسرع في الحكم . وهكذا تمضي المعاني حتى نهاية السورة كالنهر المتدفق الذي تتفرع جداوله دون أن يمنع ذلك من امتداده ، ودون أن يمنع ذلك من اتصال الجداول بالنهر الممتد في اتصال وعطاء مستمرين . وقبل أن أطوي هذه الصفحة ألفت إلى ظاهرة لافتة في سورة طه وهي من عوامل تماسك بناء كل سورة على حدة ، هذه الظاهرة هي ترديد لفظ معين أو أكثر في مواضع شتّى من السورة ، وهذا مرتبط بترديد المعاني المحورية . خذ مثلا قوله تعالى في آية ( 3 ) من سورة طه
( إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى )
، وقوله في آية ( 99 )
( وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً )
، وفي آية ( 113 )
( لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً )
، وفي آية ( 124 )
( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً )
. . والترديد ضرب من ضروب البديع ، وقد استشهد له الدارسون بالجملة والبيت الشعري ، لكنه في القرآن له طريقة خاصة هي الانتشار على امتداد السورة مهما طالت امتدادا يسهم ضمن عوامل أخرى كثيرة في تماسك بناء المعاني ؛ لأن هذه الألفاظ ما ترددت إلا تبعا لترديد معنى معين ربما كان من المعاني المحورية أو الأغراض الأساسية في السورة .