أجواء إلى أجواء ومن موضوع إلى موضوع مع تماسك البناء واستوائه ودون أي إحساس بالفجوة أو التباين .
ومثل التخلص السابق تخلص آخر يليه بعد أن استمر في تفاصيل أهوال القيامة ( آية 100 إلى 112 ) إذ ينتقل منه بواسطة " كذلك " في قوله تعالى :
( وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً )
[ طه : 113 ] ، وهو من أروع وأوسع التخلصات ؛ لأنه في هذه المرة لا يستدعي بكاف المماثلة واسم الإشارة ( كذلك ) سياقا قريبا أو معاني مجاورة حسب ، وإنما يستحضر في سرعة وتركيز كل المعاني السابقة في السورة ابتداء من قوله في صدرها :
( ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى * تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى )
[ طه : 4 ] حتى قوله يعد ما يزيد عن المائة آية
( وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً )
[ طه : 113 ] .
6 - ومن إشكالات التناسب في انتقالات هذه السورة ما تجده في قوله تعالى عقب الآية السابقة :
( فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً * وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً )
[ طه : 114 ، 115 ] .
فلا تبدو في ظاهر الأمر مناسبة لموقع النهى
( وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ )
وصلته بما قبله أو بعده ، سوى أنه لما قال قبله :
( وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً )
وكان من المحتمل أن يكون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد تعجل تكرار ما سمعه من أمين الوحي حينئذ خشية تفلّته أو نسيانه ، فقيل له
( وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ )
أو أنه عليه الصلاة والسلام هاله ذلك التعظيم والتنزيه في
( فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ )
فتعجل سببه ، فقال سبحانه عقبه
( وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ . . )
الخ .
وربما يرجح الاحتمال الأول قوله تعالى في سورة القيامة :
( لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ )
[ القيامة : 16 ، 17 ] ، فذلك يعني أن