سادسا : خصوصية بناء السورة القرآنية :
السورة القرآنية وحدة من وحدات الكيان النصي الكلي للقرآن الكريم ، وهي تتميّز في بنائها عن بناء أي وحدة نصية مكتملة من كلام البشر سواء كان ذلك قصيدة أم رسالة أم خطبة . . أم غير ذلك من أجناس الكلام المعروفة ، ولا يخفى هذا على ذوى البصيرة بأجناس الكلام الفصيح من نقاد الأدب .
ولكن أصحاب المناهج العلمية لا يكتفون بالإدراك البدهي حتى يثبت ذلك عندهم بالدرس الموضوعي ، ولعل أول من تناول وحدة كاملة من القرآن تتمثل في السورة ، ووحدة كاملة من الإبداع البشري يتمثل في القصيدة كان هو الباقلاني في محاولة انفرادية لكل منهما بالتحليل الذي يسعى إلى هدف معين هو أن النتاج البشري مهما سما لا يسلم من الضعف والقصور وعدم الاستواء ، وأن كلام اللّه سبحانه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وأن السورة القرآنية مهما تعددت معانيها يجمع بينها رابط متين ، وتتميز باستواء النسج وعدم تفاوت السبك ، وقد تجنب الباقلاني كلمة موازنة ، ولهذا ساغ له أن يتجاوز ما ينبغي في الموازنة من أسس واعتبارات كوحدة معاني النصّين أو تقاربهما على الأقل ، ولم يكن من همه المقارنة بين جملة وجملة أو بين معنى ومعنى ، ولكن اقتضى هدفه المنحصر في البحث عن مدى سلامة التعبير والنظم ومدى تكامل وترابط البناء أن لا يضع النص إلى جانب النص ، وكان تناول كل نص بمعزل عن النص الآخر .
وبغض النظر عن المآخذ التي توجهت إليه للتعسف مع الشعر ، والتعامل معه بفكره المجرد ، فإننا لا ينبغي أن نهمل نقطة مضيئة في منهجه وهي النظرة الكلية لبناء نصي مكتمل في السورة القرآنية أو في قصيدة كاملة .
ومن المفسرين من حاولوا في أثناء تفسيرهم أن يقفوا على ترابط معاني السورة القرآنية وأن لكل سورة سياقا ومقاما ومقاصد معينة كالرازي ، وكالبقاعي الذي ظهر اهتمامه كثيرا بهذه النواحي ، لكن اهتمامه بترابط معاني السورة يمثل اهتماما جزئيا بترابط البناء فيها ، لأن الكشف الكامل عن ترابط البناء