وهذه الشواهد على قلتها تدل دلالة صادقة على عموم تناسب الفواصل مع آياتها سواء في ذلك ما قرب من أفهامنا فاتضح لنا أم ما غمض على مداركنا فاحتاج إلى مزيد من التأني والتأمل ، ولا توجد في القرآن الكريم فاصلة واحدة مجتلبة لأن القرآن كتاب دعوة وتشريع ، وبلاغة الأداء فيه وسيلة لتحقيق الغايات الدينية مع أنه بلغ في تلك البلاغة إلى الذروة حتى كان معجزا .
وهذا بخلاف قوافي الشعر وقرائن النثر فإنها لا تقرب من ذلك المستوى ، ولا تخلو من الاجتلاب والتذبذب في المستوى . وإذا أردنا الوثوق من هذا فلنأخذ نموذجا من النثر الفصيح الذي ظن الناس أنه معارضة للقرآن لنرى ما فيه ، وليكن من الفصول والغايات لأبى العلاء « 1 » .
وهذا المؤلف تتباين فقراته ويتذبذب مستوى فصوله وغاياته ما بين الجيد وغيره ، فممّا حسنت أصواته وتفككت معانيه قوله : " أحلف بسيف هبّار وفرس ضبّار ، يدأب في طاعة الجبار ، وبركة غيث مدرار ترك البسيطة حسنة الحبار ، لقد خاب مضيّع الليل والنهار في استماع القينة وشرب العقار ، أصلح قلبك بالأذكار ، صلاح النخلة بالإبار " « 2 » .
فتبدو البداية دالة على عدم قصد المعارضة وإثبات التأدب مع القرآن بمخالفة طريقة في القسم فلا يقول والسيف الهبار مثلا على طريقة قسم القرآن ، وإنما يقسم بطريقة ليس لها وجود في القرآن هي " أحلف " ثم إن هناك فرقا آخر هو أن فواصل القرآن سهلة ميسّرة المعاني لا غرابة فيها ، ولكن أسجاع أبي العلاء في أكثر الأحيان غريبة بما يدل على أنها لم تكن ميسورة له بالألفاظ المألوفة ، فلم يجد بدّا من البحث في قاموس الكلمات الغريبة ، وهذا دأبه في كثير من رسائله
هامش
( 1 ) نفى محققها الأستاذ محمود حسن زناتي تلك المعارضة ويقول : " أما القول بأنه قصد مجاراة القرآن الكريم أو معارضته ، فذلك من قول حساده ، وكيف يريد ذلك وهو يمجد اللّه فيه أحسن تمجيد وأروعه ويقر له بالعبودية والعجز " ص 7 .
( 2 ) الفصول والغايات في تمجيد اللّه والمواعظ للمعري تحقيق محمود زناتي . الهيئة العامة 1977 م . ص 11 .
والهبار : القاطع ، الضبار : الذي إذا وثبت وقعت يداه مجتمعتين ، الحبار : الأثر والهيئة ، والإبار : إصلاح النخل والزرع .