وفصوله ، ثم إن معاني الجمل المسجوعة في الفقرة السالفة تفتقد التناسق أحيانا ، فلا تجد مثلا صلة متينة بين أجزاء المقسم به كالسيف الهبار والغيث المدرار ثم لا تجد صلة بين المقسم به والمقسم عليه كما تجدها في القرآن الذي لا يقسم إلا إذا كانت هناك صلة ومناسبة بين المقسم به والمقسم عليه .
ثم إنك ترى في كثير من فصوله تعمد الصنعة وإظهار البراعة الفنية ومن مظاهره الإفراط في البديع الذي لا يأتي عفوا بحسب حاجة المعاني ، وإنما يتعسفه أبو العلاء تعسفا ، من ذلك قوله يجمع بين الجناس والسجع : " اللهم اجعل ذكرك عذبا على عذبة لساني ، ومخلّدا طول حياتي في خلدي ، ونفسا عند الكربة لنفسي ، ومنبطا للحكمة في قليب قلبي " « 1 » .
والحق أن أبا العلاء كان في نثره أقل منه بكثير في شعره ، فلنأخذ نموذجا من شعره لننظر في مدى تمكن القوافي ومدى تحقق التوازن بين الغاية اللفظية والمعنوية ، يقول في الرثاء :
غير مجد في ملتى واعتقادي * نوح باك ولا ترنّم شادى
وشبيه صوت النعيّ إذا قي * س بصوت البشير في كل نادى
أبكت تلكم الحمامة أم غ * نّت على فرع غصنها المياد
صاح هذه قبورنا تملأ الرح * ب فأين القبور من عهد عاد
خفف الوطء ما أظن أديم ال * أرض إلا من هذه الأجساد
وقبيح بنا وإن قدم العهد * هوان الآباء والأجداد
سر إن استطعت في الهواء رويدا * لا اختيالا على رفات العباد
رب لحد قد صار لحدا مرارا * ضاحك من تزاحم الأضداد
ودفين على بقايا دفين * في طويل الأزمان والآباد
فاسأل الفرقدين عمن أحسّا * من قبيل وآنسا من بلاد
كم أقاما على زوال نهار * وأنارا لمدلج في سواد
هامش
( 1 ) الفصول والغايات 223 ، وعذبة اللسان : طرفه ، والخلد : النفس ، منبطا : مستخرجا .