فإذا وقف على قوله : ( لننظر كيف ) مع ما تقدم من قوله :
( جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ )
علم أن بعده ( تعملون ) أو تصنعون أو ما هو في هذا المعنى ، لأن سائر الفواصل القرآنية متمكنة في مواقعها قارة في أماكنها تناسب معنى آياتها حتى تجد معنى الآية يتجه إليها وينبئ عنها إذا حسن التتبع .
وربما خفي التناسب حتى يعسر على المتابع استنباط الفاصلة قبل مجيئها حتى إذا أمعن النظر ووقف على الفاصلة وجدها تتفاعل مع معنى ما سبقها كقوله تعالى :
( قالُوا يا شُعَيْبُ أَ صَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ )
[ هود : 87 ] ، فكان مقتضى الظاهر أن تكون الفاصلة من نوع الاتهام الظاهر في أهليته للرسالة بعد هذا الاستفهام الذي يحمل كثيرا من التهكم والإنكار والرفض ، لكن الفاصلة اتجهت اتجاها آخر على خلاف التوقع :
( إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ )
فربما كان اتهاما مغلّفا من التعبير عن الشيء بضده على سبيل التهكم ، وهذا ينسجم مع المقصود بالاستفهام ، وربما كان ظاهر الفاصلة مقصودا على سبيل الاستدراج والاستمالة ، وعلى أساس هذا خرّج السيوطي مناسبة الفاصلة ، لما قبلها فقال : " فإنه لما تقدم في الآية ذكر العبادة وتلاه ذكر التصرف في الأموال اقتضى ذلك ذكر الحلم والرشد على الترتيب ؛ لأن الحلم يناسبه العبادات والرشد يناسبه الأموال .
ومما جاءت الفاصلة على خلاف ظاهر ما قبلها وتحتاج إلى مزيد من التأمل قوله تعالى :
( إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ )
[ المائدة : 118 ] ، فكان الظاهر أن يقول : وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم ، ولكن المعنى أعمق مما طمحت إليه أبصارنا ، فإن الحديث عن الناس الذين اتخذوا عيسى وأمه إلهين ، وكان عيسى عليه السلام يستشفع لهم على وجل ، لأنهم ليسوا أهلا لذلك بعد ما أشركوا ، ولذلك فإن الأنسب للفاصلة أن تلتفت إلى ما بدأت به الآية وهو العذاب الذي يناسبه العزة والقوة والحكمة ، ويحتمل التوجيه معنى آخر يلتفت إلى ما جاور الفاصلة من مغفرة " لأنه لا يغفر لمن يستحق العذاب إلا عزيز لا يرد حكمه ، حكيم يصنع الأمور في نصابها .