سئمت تكاليف الحياة ومن يعش * ثمانين حولا لا أبا لك يسأم « 1 »
وقد علق الخطيب استنتاج العجز - من فاصلة وغيرها - على معرفة روي فواصل الآيات السابقة أو روى قوافي الأبيات السابقة ولم يكتف بوجود ما يدل على العجز من نفس البيت أو الآية .
وسعد الدين التفتازاني يعلل هذا وهو يتحدث عن الإرصاد في قوله تعالى :
( وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ )
[ يونس : 19 ] . يقول : " فإنه لو لم يعرف أن حرف الروي هو النون لربما توهم أن العجز هاهنا فيما هم فيه اختلفوا أو فيما اختلفوا فيه " « 2 » . يعني مع وجود لفظ في صدر الآية يدل على ما ذا تكون الفاصلة فإن معرفة روي الآيات السابقة ضروري حتى تعرف صيغة الفاصلة بالتحديد ، وأنها
( يَخْتَلِفُونَ )
وليست ( اختلفوا ) مثلا .
وقد اكتفى الخطيب والسعد في الإرصاد بما كانت دلالته على الفاصلة لفظية ، وأضاف السيوطي نوعا آخر يميز الإرصاد عن التصدير " رد الأعجاز على الصدور " وهو ما كانت دلالته على الفاصلة معنوية كقوله تعالى :
( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ )
[ آل عمران : 33 ] .
فإن الاصطفاء يدل على أن الفاصلة
( الْعالَمِينَ )
لا باللفظ لأن لفظ ( العاملين ) غير لفظ ( اصطفى ) ولكن بالمعنى ؛ لأنه يعلم من جهته أن من لوازم اصطفاء شئ أن يكون مختارا على جنسه ، وجنس هؤلاء المصطفين ( العالمون ) « 3 » .
وأكثر فواصل القرآن من هذا النوع الذي تجد المناسبة فيه معنوية فهي إضافة لها قيمتها وقد أفادها السيوطي من أبي هلال الذي يعرّف الأرصاد بأنه " أن يعرف السامع مقطع الكلام من معنى ما قبله لأن ذكره لم يجر فيما تقدم كقوله تعالى :
( ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ )
[ يونس : 14 ] .
هامش
( 1 ) الإيضاح بتعليق البغية ج 4 / 21 .
( 2 ) المطول دار الكتب العلمية ، بيروت طبعة أولى 1422 ه / 2001 م .
( 3 ) شرح عقود الجمان للسيوطي 110 .