وما قيل عن الشعر ينسحب على النثر المسجوع وإن لم يكن السجع شرطا لإقامة النثر الفني ، لكن الدرس الموضوعي المتتبع لنماذج نثرية مسجوعة مهما كان مستواها من القوة يجد الجانب اللفظي له الصوت الأعلى والغاية المقدمة ، كما لا يخلو من الاجتلاب الذي نجده في الشعر .
2 - إطراد التناسب المعنوي بين الفاصلة القرآنية وبين آيتها :
لا تخلو فاصلة قرآنية من مناسبتها لمعنى آيتها ، وتعلق معناها بمعنى الكلام كله تعلقا تاما ، والمتتبع للآية القرآنية يجد سائر معناها يتدفق بقوة نحو الفاصلة ليدل عليها ويومئ بها ويجعل المستمع إن أحسن المتابعة يتوقع الفاصلة ويهجس بها خاطرة ، بل قد تجرى على لسانه قبل الاستماع إليها ، وقد وقع هذا مع الصحابة رضوان اللّه عليهم إذ يروى عن زيد بن ثابت رضي اللّه عنه قال : " أملى عليّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هذه الآيات عندما نزلت :
( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ )
[ المؤمنون : 12 - 14 ] .
" فقال معاذ بن جبل وكان جالسا :
( فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ )
فضحك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال معاذ : ممّ ضحكت يا رسول اللّه ؟ قال : بها ختمت " « 1 » .
ولعل حسن المتابعة للفواصل السابقة للآية وحسن متابعة معنى الآية مما يساعد على توقع الفاصلة اللاحقة ، وهذا يذكّر بما اطمأنت إليه النفس في درس الإرصاد من تحقق مفهومه في سائر الآيات القرآنية « 2 » وقد عرفوا الإرصاد بأنه أن يجعل قبل العجز من الفقرة أو البيت ما يدل على العجز إذا عرف الروي كقوله تعالى :
( ما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ )
[ العنكبوت : من الآية 40 ] .
وقول زهير :
هامش
( 1 ) الإتقان 101 .
( 2 ) راجع من وجوه تحسين الأساليب في ضوء بديع القرآن " للمؤلف 136 .