تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة ) — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
الغاية المعنوية للفواصل القرآنية مقدمة على الغاية اللفظية كما يفهم من اتجاه الرماني في النكت ، ومن يستهويه الأداء الصوتي حتى يكون استغراق حواسه مع الأداء الصوتي أكبر من استغراق فكره في المعاني يحكم تلقائيا بتقدم الغاية اللفظية للفواصل على الغاية المعنوية كما يفهم من اتجاه ابن الأثير ، أما من يتوازن انشغاله بالمعاني مع إحساسه بالجانب الصوتي فإنه يرى تساوى الأمرين في الأهمية ، وهو اتجاه بعض المفسرين كأبى السعود الذي يفسر التقديم في قوله تعالى :
( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ )
بأنه للتخصيص مع ما في ضمنه من رعاية الفاصلة ، وهذا تفسير الذي يرى تساوى الجانب المعنوي مع الجانب اللفظي في الأهمية ، وأن هذا في ضمن ذاك ، وهذا هو الاتجاه الموفق . أما القوافي في الشعر وقرائن السجع في النثر فنادرا ما تجد هذا التوازن متحققا ؛ لأن الجانب اللفظي هو الغاية الأصيلة فيهما ، وليس أدل على هذا من أن وحدة القافية من مقومات الشعر في القصيدة وأن هذا ما يميز الشعر عن النثر مما يقطع بأن القافية في الشعر ذات غاية شكلية في المقام الأول ، وأنها إن جاءت ذات دلالة مكملة للمعنى في البيت ، فإن هذه غاية ثانوية تالية للغاية اللفظية . وليس كذلك الأمر في الفواصل القرآنية ، فليس الجانب اللفظي والتوافق الصوتي هو الغاية الأساس فيها بدليل بعض سور القرآن التي لم تعتمد توافق الفواصل مثل سورة ( ق ) التي تتنوع فواصلها من كلمات تنتهى تارة بحرف الدال وتارة بحرف الباء وتارة بالجيم ، وتارة أخرى بحرف الظاء . ويترتب على هذا الفرق ظاهرة موجودة في الشعر ولا وجود لها في الفواصل القرآنية هي الاجتلاب ، فلما كانت الغاية الصوتية هي الأساس في وحدة القوافي ترتب على هذا أن بعض الشعراء يضطر إلى اجتلاب قافية لا حاجة للمعنى إليها لمجرد اتفاق القوافي ، ولا تجد في القرآن الكريم فاصلة واحدة جاءت لمجرد توافق الفواصل ، وإنما تجد الفاصلة دائما متمكنة في مكانها مستقرة في قرارها متعلقة معناها بمعنى الكلام كله تعلقا تاما كما ورد في عبارة السيوطي التي سبقت .
إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة ) — صفحة 276 | محمد ابراهيم شادي