تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة ) — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦

رابعا : خصوصية حلقات الوصل في القرآن :

هذه الميزة ليست خاصة بالكلمة المفردة ولا بدلالة الجملة أو التركيب ولا بالمعاني عموما ، ولكنها تتعلق بالانتقال بين الكلمات ، فحلقة الوصل بين كلمتين هي الحرفان المتجاوران من نهاية كلمة وبداية كلمة تالية ، ومن مجموع ذلك تكون حلقات الوصل بين الكلمات في التراكيب ، وهي سمة صوتية ناشئة من نظم الكلمات على نحو خاص ، والرماني هو أول من لفت في رسالته للإعجاز إلى هذه الخصوصية في القرآن الكريم وهو يوازن بين قوله تعالى :
( وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ )
والمثل العربي " القتل أنفى للقتل " وانتهى إلى خصوصيات تتميز بها الآية ومنها " الحسن بتأليف الحروف المتلائمة " ويرى أن هذه سمة صوتية محسوسة بالأذن لأنها موجودة في اللفظ " فهو مدرك بالحسّ وموجود في اللفظ ؛ فإن الخروج من الفاء إلى اللام أعدل من الخروج من اللام إلى الهمزة لبعد الهمزة من اللام ، وكذلك الخروج من الصاد إلى الحاء أعدل من الخروج من الألف إلى اللام " « 1 » . فهذه العبارة توازن بين حلقات الوصل في الكلمات المتجاورة وتخرج بنتيجة مهمة هي أن الانتقال من كلمة إلى أخرى في الآية أيسر ، وأسلس من الانتقال من كلمة إلى أخرى في المثل ، وهذه البذرة القيمة التي وضعها الرماني لم أعثر على من ينمّيها ويطورها عند العلماء اللاحقين على كثرة ما أخذوا من الرماني ، وربما كان إعراضهم عن تلك الميزة لتعلقها بالجانب اللفظي أو الصوتي ، مع أن كل ميزة صوتية تلفت إلى المعاني وتعطف النفوس إليها . وفي العصر الحديث وجدنا الرافعي في كتابه " إعجاز القرآن " يعتد بالجانب الصوتي في القرآن ويهتم به اهتماما بالغا حتى عدّه من أهم جوانب الإعجاز اللافتة لغير العرب الذين لا يعرفون العربية ، فإن الخصوصية الصوتية للقرآن وما فيه من توقيعات خاصة تستحوذ عليهم وتستهويهم ولا يجدونها في كلام آخر ، ويتلخص تعليله لهذه الميزة في أن توزيع الحروف ذات المخارج الخاصة على نسب معينة يؤدي إلى أداء نغمي متوازن بالإضافة إلى الأثر الصوتي الناشئ عن
هامش
( 1 ) رسالة النكت في الإعجاز للرماني ضمن ثلاث رسائل في الإعجاز 78 ، وأعدل بمعنى أسهل وأنسب .