ومصاهرة ومخالطة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتى تشبع بأدبه وفكره وبيانه وأتيح له ما لم يتح لغيره من الصحابة في هذا الأمر .
ومن يراجع خطب علي رضى اللّه عنه وأقواله يلحظ هذا ويلحظ وجوها من الشبه أبرزها كثرة الاقتباس من هدي القرآن سواء كان هذا باللفظ والمعنى أم كان بالمعنى فقط .
كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقتبس من هدي القرآن ويضيف معاني لا تخرج عن إطار الوحي بحسب ما تقتضيه المواقف ، وكان ما يضيفه أقرب إلى التوليد واستنباط معنى من معنى وذلك لا يكون إلا عند تشبع بالمعاني المقتبس منها وقدرة على التوليد منها معاني أخرى من بطن المعاني المسترفدة ومن أحشائها .
ولقد كان على رضي اللّه عنه يقتبس من هدي القرآن ومن هدى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مع التوليد منهما ، وقد كانت له قدرة على هذا التوليد ، وذلك كقوله من خطبة له من على منبر الكوفة : " يا أيها الناس لا تكونوا ممن يرجو الآخرة بغير عمل ، ويؤخر التوبة بطول الأمل ، ويقول في الدنيا قول الزاهدين ، ويعمل فيها عمل الراغبين " إلخ . . « 1 » فصدر الخطبة اقتباس من معنى القرآن ، لكنه يتبعه بالتوليد فالجملة الأولى " لا تكونوا ممن يرجو الآخرة بغير عمل " من قوله تعالى :
( فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً )
[ الكهف : من الآية 110 ] . وقوله : " يقول في الدنيا قول الزاهدين ، ويعمل فيها عمل الراغبين " مولّد من قوله تعالى :
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ )
[ الصف : 2 ] ويولد قوله : " إن أعطي منها لم يشبع . . " من حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : " اثنان لا يشبعان : طالب علم وطالب مال " .
وكذلك قوله من خطبة له بعد حمد اللّه والثناء عليه : " أيها الناس إنما هلك من كان قبلكم بركوبهم المعاصي ولم ينههم الربانيون والأحبار ، ألا فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن ينزل بكم الذي نزل بهم " فهذا من اقتباس
هامش
( 1 ) حياة الصحابة 3 / 470 .