تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة ) — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
في خطبة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لتجد امتدادات الجمل وتفرع بعضها عن بعض كالموجات المتواصلة من غير انقطاع تحذيرا وترغيبا وتوضيحا وترديدا للمعنى نفسه وللوصية نفسها ، بينهما تجد التوصية بالتقوى في خطبة على رضى اللّه عنه في جملة واحدة مقرونة بتعليلها تليها توصية أخرى معطوفة بالواو ، ووصية ثالثة ورابعة . . إلخ وعلى الرغم من العطف بينها والاشتراك في كونها جميعا وصايا فإن التشابك والتلاحم بينها لا يقوى قوته في الجمل المتفرعة عن التوصية بالتقوى هناك في خطبة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بدليل أننا في خطبة على رضى اللّه عنه يمكن أن نقدم بعض الوصايا على بعض وبعض الجمل على بعض دون أن يختل بناء الكلام أو يتأثر فنقدم صنع المعروف على صلة الرحم أو أن نقدم الأمر بذكر اللّه عليها ولا يتأثر كل معنى في ذاته لقيامه بجملته المستقلة ، أما في سلسلة الجمل التي اتحد وضعها وتماسكت أجزاؤها وتفرع بعضها عن بعض فلا يمكن فيها تقديم ولا تأخير كما في الوصية بالتقوى وما تفرع عنها في خطبة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وعلى ضوء هذا يمكننا أن نستنبط موقف بيان علي من البيان القرآني ونسبته من تلك الزاوية ، فالنظم القرآني تطرد فيه ظاهرة اتحاد وضع الجمل وتلاحم أجزائها وشدة اتصالها ، بخلاف بيان علي الذي يكاد يطرد اعتماده على الجمل القصيرة التي لا يتوفر لها ذلك التلاحم على الرغم من أن القرآن كان من مصادر المعاني عند عليّ استهداء واقتباسا وتوليدا ولكنا نتحدث عن طريقة بناء الكلام من جهة هذه الظاهرة التي سماها عبد القاهر باتحاد الوضع وشدة اتصال أجزاء الكلام ووصفها بالنمط العالي والباب الأعظم ، فبناء كلام علىّ رضى اللّه عنه لم يكن بهذه الطريقة من النظم لكثرة اعتماده على الجمل القصيرة التي يعطف بعضها على بعض والتي يستقل بعضها عن بعض ، وهذا لا يقلل من فصاحة على ابن أبي طالب الذي كان متميزا بفصاحة وتوليدات معانيه وابتكاراته رضى اللّه عنه التي أدى إليها ما جدّ من مواقف التفرق والتمرد والتخاذل .