وتشير إلى جدارة هذا الكلام بالقطع والاستئناف الذي لا يكون إلا في مضمون له قيمة عالية .
ثم تجد الآيات بعد ذلك هي من امتدادات الموجة الأولى متعلقة بها على أشد ما يكون التعلق ابتداء بظرف تلك الزلزلة وأحوال الناس فيها وجدالهم في الدنيا حول صدق وقوعها وتصعيد ذلك الجدال حتى يصل إلى وجود القادر سبحانه ، وتحذير هؤلاء المجادلين مع تقديم البراهين الساطعة النابعة من أنفسهم والتي تقطع بقدرته سبحانه على ما يجادلون بشأنه ، حتى تقترب نهاية السورة فيرد عجز الكلام على صدره في قوله سبحانه :
( وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ )
[ الحج : 68 ] ويدعو المؤمنين في نهاية السورة إلى النجاة بأنفسهم من هذا المستنقع بالإيمان باللّه والاعتصام به سبحانه :
( وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ )
[ الحج : من الآية 78 ] .
الفرق الجوهري الذي نعول عليه في هذا السياق إذن بين البيان القرآني وبين البيان النبوي هو اطراد النمط العالي من النظم في البيان القرآني ، وعدم اطراده في البيان النبوي ، ومع هذا فقد نجد في أحاديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حديثا كله من هذا النمط مثل حديث " مثل ما بعثني اللّه به من الهدى والعلم . . " وحديث :
" الحلال بيّن والحرام بيّن " . . وقد نجد حديثا آخر كله من النوع الثاني الأقل في اتصال أجزاء نظمه كقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : " من حديث أبي ذر قال : " سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم :
يقول : " من أتي ثلاث فقد أوتي مثل ما أوتى داود عليه السلام : خشية اللّه في السر والعلانية ، والعدل في الغضب والرضا ، والقصد في الفقر والغنى " « 1 » ولهذا نظائر من أحاديث أخرى جاءت بأسلوب التوشيع « 2 » .
أقرب الصحابة شبها بالبيان النبوي :
أقرب الصحابة شبها في بيانه بالبيان النبوي هو علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه ، وذلك راجع إلى أنه توفر لعلي ما لم يتوفر لغيره من الصحابة قرابة
هامش
( 1 ) الحديث في كتاب " حياة الصحابة " 3 / 417 .
( 2 ) في هذا الأسلوب تشويق وجذب نفسي لأنه يبدأ بالعدد مجملا ثم يفصله كما في حديث أبي ذر السالف .