منه دون وصله بما بعده كما لا نستطيع أن نخلّ بترتيب تلك الأجزاء ، وذلك من بداية الخطبة حتى نهاية الأمر بالتقوى ، وما قد نظنه فواصل بين أركان الخطبة إنما هو من توابع تلك الأركان التي يتصل الفرع منها بالأصل كاتصال موجات التوابع « 1 » جملا حالية تتولد منها جمل أخرى من مكملات المعنى الأساسي كقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : " وأن محمدا عبده ورسوله أرسله اللّه بالهدى والنور والموعظة على فترة من الرسل وقلة من العلم وضلالة من الناس " ، أم كانت تابعة على سبيل الترتيب والتعليل كما نجد عقب الأمر بالتقوى : " وأوصيكم بتقوى اللّه فإنه خير ما أوصى به المسلم المسلم . . " إلخ ثم اتباع هذا بجمل مرتبة على سبيل التحذير تارة والترغيب تارة أخرى ، ثم العودة للأمر بالتقوى مرة ثانية بالأسلوب نفسه الذي يأمر ويعلل ويحذر ويرغب بالجمل المعطوف بعضها على بعض بالفاء تارة والواو تارة في اتصال وترابط شديدين .
المستوى الثاني : هو النظم الأقل من مستوى النوع الأول ، وهو ما نجده من معان جاءت قبيل نهاية الخطبة في جمل قصيرة معطوف بعضها على بعض تتناول معاني عدة متنوعة كالأمر بالإحسان ، ومعاداة أعداء اللّه والجهاد ، والأمر بذكر اللّه كثيرا ، والعمل لما بعد اليوم ، فكل هذا جاء في جمل متجاورة متعددة المعاني لا توالد بينها ولا ترتيب فهي كمن عمد إلى لآل فخرطها في سلك لا يبغى أكثر من أن يمنعها من التفرق على حد تعبير عبد القاهر ، وليس أدل على هذا من إمكان تقديم بعضها على بعض ، ولو حذف أحدها لم يؤثر على معنى ما تبقّى ، وإنما يجمع بينها أنها مجموعة من الوصايا التي تنفع المسلم في دنياه وآخرته .
إن تلك الخطبة التي تمثل وحدة كاملة من وحدات البيان النبوي قد اجتمع فيها نموذجا للنمط العالي من النظم ونموذجا آخر للنمط الثاني .
فإذا عدنا إلى سورة قرآنية كنموذج للوحدة الكاملة من البيان القرآني وجدنا النمط العالي بل الأعلى مطردا فيها كاطراده في سائر السور القرآنية لا يتخلف أبدا ، ثم إن السورة مهما تعددت أغراضها ومعانيها نجدها دائما منجذبة إلى
هامش
( 1 ) هذا من التوسع في مفهوم التبعية عند النحاة .