تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة ) — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
الموضوع المحوري للسورة الذي يطل بين حين وآخر ، وهذا من أهم عوامل اتصال معاني السورة وارتباط وحداتها ارتباطا عضويا فضلا عن خصوصية نظم المعاني القرآنية وبلوغه مستوى من الترابط والتواصل لا يبلغه أي نظم آخر ، ولو حاولنا إسقاط كلمة أو تبديلها بكلمة أخرى لاختل البناء ، وتغيّرت صورة المعنى . وعلى الرغم من وجود هذا النمط العالي من النظم في شق من البيان النبوي فإنه لا يرقي رقية في البيان القرآني المعجز . خذ سورة من القرآن تبدأ بالأمر بالتقوى وانظر في نظمها ثم انظر في نظم التوصية بالتقوى في الخطبة النبوية لتجد أنه رغم دخول النظمين في النمط العالي المتصل الأجزاء فإنه في القرآن يتميز بميزات وخصوصيات تجعله أرقى وأعلى . ولنأخذ سورة الحج لا لنقف على كل ما فيها من كيفيات الاتصال بين المعاني ولكن لنستشهد بما يدل على تلك الفكرة . فسورة الحج تبدأ بالنداء الذي يعقبه الأمر ، وهذه سمة غالبة لخطاب اللّه تعالى الناس في القرآن ، يناديهم ليأمرهم بما يدل على القوة والعلو والإلزام وهذا يتسق مع المتكلم ذي القوة والجلال ، بخلاف البيان النبوي الذي يغلب عليه التودد والتلطف كما يبدو في التوصية بتقوى اللّه في قوله من بداية الخطبة : " أوصيكم بتقوى اللّه . . " بما يعكس الطابع النبوي البشري . وفرق آخر ظاهر هو أن البيان النبوي يربط التعليل بما قبله بواسطة الفاء في قوله عقب التوصية بالتقوى : " فاحذروا ما حذركم اللّه نفسه " ، لكن التعليل في الآية جاء بغير أداة مطلقا ، وإنما جاء بالاستئناف البياني المعلل ، وهذه طريقة معروفة عند العرب الخلص وسماها عبد القاهر بالقطع والاستئناف ؛ لأن المتحدث يقطع كلامه قطعا يدعو إلى استنفار فكر المخاطب وإثارة فضوله وترقبه واستشرافه لما بعده ، فيأتي الاستئناف بعد ترقب له وانتظار فيتمكن أفضل تمكن ، والقطع في الآية في قوله :
( اتَّقُوا رَبَّكُمْ )
وأما الاستئناف ففي قوله عقبة :
( إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ )
ومضمون الاستئناف وأصوات ألفاظه تهز النفس هزا عميقا