وإذا كانت هذه أول خطبة في المدينة كما ذكر راوي الحديث فإن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أسس فيها بإلهام من اللّه الشكل العام للخطبة في الإسلام من البدء بالحمد والاستغفار والشهادتين ، ثم التوصية بتقوى اللّه عز وجل مع تضمين الخطبة وصايا عدة قبيل نهايتها حسب الحاجة والمقام .
أما ما بين الشهادتين والتوصية بالتقوى فمن توابع الشهادة الثانية ، وأما ما بين الأمر بالتقوى والوصايا قبيل النهاية فمن توابع الأمر بالتقوى الذي كان يتردد مشفوعا بالتعليل المؤكد لأنه صلب موضوع الخطبة .
وأكثر معاني وبناء هذه الخطبة يعتمد على الاقتباس من القرآن الكريم الذي يصب جمل القرآن وآياته في أثناء كلامه صلّى اللّه عليه وسلّم دون نص أو إشارة إلى أنه يستشهد مما يدل على قمة التوازن والانسجام بين النص المقتبس وبين سياقه كقوله : " فاتقوا اللّه في عاجل أمركم وآجله في السر والعلانية ؛ فإنه
( مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً )
« 1 » ومن يتق اللّه
( فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً )
. . « 2 » إلخ وكقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : " قد علمكم اللّه كتابه ، ونهج لكم سبيله
( فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ )
« 3 » .
وقد ترد آية في سياق الخطبة على سبيل الاستشهاد لا الاقتباس كقوله :
" يقول اللّه عز وجل :
( ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ )
« 4 » .
والذي يعنينا هنا هو طريقة بناء الخطبة ، والفروق بين البيان النبوي والبيان القرآني من الزاوية التي تشغلنا في ذلك السياق وهي مدى ترابط المعاني ومدى اتحاد وضعها واتصال أجزاء النظم فيها .
وبالنظر في تلك الخطبة نجدها تتوزع بين مستويين من النظم : الأول : هو النظم الذي اتصلت أجزاؤه وارتبط ثان منها بأول ، فلا نستطيع أن نقف عند جزء
هامش
( 1 ) جزء من آية ( 5 ) سورة الطلاق ، وقد وردت الواو محذوفة في( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ )لأن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يقتبس ولا يستشهد .
( 2 ) جزء من آية ( 71 ) الأحزاب .
( 3 ) جزء من آية ( 3 ) سورة العنكبوت .
( 4 ) آية ( 29 ) من سورة ق .