وإذا كان هذا النوع الموصوف بالنمط العالي والباب الأعظم موجودا في السور القصار فما باله في السور الطويلة ؟ إنه يكون أظهر وأوضح سواء بدئت الآيات بمفاتيح النظم التي تشد ما بعدها نحوها شدا وثيقا أم لم تبدأ بها .
فمن الأول الآيات التي تبدأ بأدوات الشرط والظروف وإن وأخواتها إذا طالت جملها ، بل إن هذه الأدوات تدل على الموجود في الكلام وعلى المقدر الذي طوى تحاشيا لطول الأجزاء كقوله تعالى :
( وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى )
. . [ الرعد : من الآية 31 ] ، فالتقدير كما ذكر المفسرون : لكان هذا القرآن ، فطوى لفهمه ، وتعجيلا بذكر العبرة التي عليها مناط الكلام
( بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً )
.
ومن شواهد هذا النظم الذي لا يبدأ بأدوات شد الكلام قوله تعالى :
( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ )
[ البقرة : 17 ] حتى يصل إلى قوله تعالى :
( وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )
[ البقرة : من الآية 20 ] فهذه أربع آيات في حكم جملة واحدة لاتصال أجزاء النظم ومعانيها اتصالا شديدا وتلاحقها كتلاحق الأضواء التي لا تستطيع أن تجد لها أجزاء .
وقد تجد من هذا النوع جملة طويلة هي في حكم التابع لمفرد في الجملة التي سبقتها مما يدل على خصوصية النمط المعجز الذي ليس له نظير في تلاحق معانيه وشدة اتصالها كما في صدر سورة البقرة
( ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )
[ البقرة : 2 ، 3 ، 4 ، 5 ]
فإن قوله :
( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ )
. . . وما عطف عليه سبع جمل كلها تابعة للمتقين على سبيل البدل والبيان .
ومثل هذا قوله تعالى :
( وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ )
[ آل عمران : 133 ] ، فقد جاءت عقب هذا ثلاث