خذ مثلا سورة الشمس لتجد أن مفتاح النظم الذي يشد جميع الأجزاء إليه هو القسم ، فلن تجد السورة سوى مقسم به وما عطف عليه ، ومقسم عليه وما عطف عليه ، فالسورة كلها أسلوب واحد وجملة واحدة كبيرة تعدد أجزاؤها في اتصال شديد وارتباط وثيق وإن كانت تلك الأجزاء عبارة عن آيات قصيرة متوافقة الفواصل .
ثم إنك تجد الأجزاء المعطوفة لكل من شقى القسم يتلو بعضها بعضا في تناسق وتداع بما لا يدع مجالا للحكم عليها كالحكم على النوع الثاني من النظم الذي لا تتحد ولا تتصل أجزاؤه ، وإنما تجد القسم ب :
( وَالشَّمْسِ وَضُحاها )
يتلوها
( وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها )
ثم تأتى آيتين في جملتين مشدودتين إلى السابقتين في نوع من الربط يسمى باللف والنشر المرتب والدال على آثار قدرة اللّه سبحانه ورحمته
( وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها * وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها )
[ 3 ، 4 الشمس ] ، فالنهار مرتبط بالشمس وضحاها ، والليل مرتبط بالقمر إذا تلاها ، . . ثم إن الشمس والقمر مجالهما السماء وآثارهما ( نهارا وليلا ) في الأرض ، فلما كان للمتأمل وقفة مع مجال الشمس والقمر ومجال النهار والليل قال سبحانه بعدهما ،
( وَالسَّماءِ وَما بَناها * وَالْأَرْضِ وَما طَحاها )
[ الشمس : 5 ، 6 ] .
ثم نبه سبحانه إلى أن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق النفس الإنسانية وذلك بتأخيرها بعدهما في قوله :
( وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها )
. . إلخ وهكذا نجد تلاحقا في أجزاء النظم وتواليا مرتبطا بتوالي المعاني وتلاحقها يتلو بعضها بعضا ويشتد ارتباط ثان منها بأول .
ولا تخلو سورة من السور القصيرة مهما قصرت آياتها من اعتمادها على هذا النوع من النظم الذي تتحد أجزاؤه ، وإنما قصرت السور وقصرت آياتها وتوافقت فواصلها وتقاربت لمناسبة أوائل النزول المكي ؛ ليكون اللفت بذلك الإيقاع الجديد قويا ولكي يكون الجذب إلى ذلك النمط الفريد عتيا حتى لا يجد فصحاء العرب أمامهم سبيلا سوى الاعتراف بخصوصية أسلوب القرآن ، وأنه نمط فريد غير الذي عرفوه من أجناس الكلام .