النوع الأول يحتاج نظمه إلى تدبر وروية والثاني لا روية فيه ولا تدبر ولا فضل فيه إلا بمعناه أو بمتون ألفاظه دون نظمه وتأليفه ، " وذلك لأنه لا فضيلة حتى ترى في الأمر مصنعا ، وحتى ترى إلى التخير سبيلا " « 1 » .
ويستوقفنا أن عبد القاهر عندما استشهد للنوع الأول اقتصر على شواهد من الشعر ، وللنوع الثاني بشواهد من النثر الفنى مما يشير إلى أن مجال النوع الأول هو الشعر ، ومجال النوع الثاني هو النثر الذي لا يحتاج إلى عناء الشعر وتدفق معانيه وصبها في قالب إلا الأبيات المشطرة كما يستوقفنا أنه على الرغم من أن عبد القاهر قصد بكتابه " دلائل الإعجاز " أن يضع أسس البحث في الإعجاز ويقدم أدواته ، فإنه مع هذا لم يستشهد في هذا السياق من القرآن ، ولم يشر إشارة إلى أن النوع الأول الذي يتحد فيه الوضع مما يتميز به النظم القرآني أو مما يتفوق فيه ، غير أن هذا لا ينبغي أن يصرفنا عن وقفة تأمل لما يمكن أن نستنبطه من مغزى عبد القاهر من هذا الباب والمرمى البعيد الذي كان يرمى إليه ، فلعله كان يقصد أن النوع الأول من النظم الذي يتحد في الوضع ويدق في الصنع والذي وصفه بالنمط العالي والباب الأعظم إنما يكمل ويطرد في القرآن الكريم ، فربما وجد في بعض الأشعار لكنه لا يطرد فيها كلها بدليل أن الأبيات التي استشهد بها منتقاة بعناية ، ولا يختلف أحد على علو كعبها في فن الشعر ، وليس كل الشعر كذلك ، أما القرآن الكريم فلا تجده كله إلا من ذلك النوع ، ويكون إعجازه في هذا النوع من جهة التفوق والاطراد .
وخذ ما شئت من آي القرآن فلن تجد إلا نظما قد اتحدت أجزاؤه واتصلت معانيه واشتد ارتباط ثان منها بأول حتى السور القصار ، فإنها على الرغم من قصر آياتها وقرب فواصلها حتى تجد صوت الإيقاع عاليا عندما يجتمع حسن تقسيم الآيات وتوزيعها مع توافق الفواصل ، فإنك على الرغم من هذا تجد النوع الأول من النظم هو المائل أمام عينيك في أرقى صوره .
هامش
( 1 ) دلائل الإعجاز 98 .