واللافت في جملة هذه الشواهد أن مفاتيح النظم فيها أدوات تشد ما وراءها إليها شدّا وثيقا لارتباط المعاني بها وتواليها وبناء بعضها على بعض حتى كأنها وضعت وضعا واحدا لأنها دفقة معنوية واحدة جاء على حذوها في النطق دفقة من الكلمات التي انتظمت دفعة واحدة ، وهذا ما عناه عبد القاهر باتحاد الوضع .
وإذا كانت الأشياء تتميز بأضدادها فقد ذكر عبد القاهر نوعا من النظم مقابلا لذلك ، وهو على حد قوله : " ما أنت تعلم إذا تدبرته أن لم يحتج واضعه إلى فكر وروية حتى انتظم ، بل ترى سبيله في ضم بعضه إلى بعض سبيل من عمد إل لآل فخرطها في سلك لا يبغى أكثر من أن يمنعها التفرق وذاك إذا كان معناك معنى لا تحتاج أن تصنع فيه شيئا غير أن تعطف لفظا على مثله كقول الجاحظ :
" جنّبك اللّه الشبهة ، وعصمك من الحيرة ، وجعل بينك وبين المعرفة نسبا وبين الصدق سببا ، وحبب إليك التثبت وزين في عينك الإنصاف . . . " إلخ .
والفرق بين هذين النمطين من النظم أن الأول تتلاحق أجزاؤه في اتصال وارتباط حتى كأنها وضعت وضعا واحدا وهو من النوع ذي الجمل الطويلة التي تتفاعل فيها الأجزاء حتى كأنها صبت في قالب واحد من شدة التفاعل والتلاحم .
أما النوع الثاني فإنه من نوع الجمل القصيرة التي عطف بعضها على بعض ، والتي لا تجد لها مفتاحا يربط بينها ويشدها إليه بحيث يمكنك أن تعيد ترتيب تلك الجمل أو أن تحذف شيئا منها دون ما تأثير على معنى ما تبقى .
- الصلات بين أجزاء النوع الأول من النظم صلات معنوية هي عين المعاني النحوية ، وهي دلالات المواقع الإعرابية للكلمات ، والصلات بين أجزاء النظم في النوع الثاني صلات ظاهرة في أدوات العطف التي تجعل الجمل القصيرة كأنها كيانات مستقلة .
إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة ) — صفحة 253
مساهمون: محمد ابراهيم شادي
ص٢٥٣