كان لخصوصية المعاني القرآنية ذات الدلالات الثرية المتكاثرة والتي يرتقى بها أي نص يستدعيها بالرمز أو الإيماء والتلميح .
ثالثا : نظم المعاني القرآنية والنمط العالي :
لا نستطيع أن نفصل بين المعاني ونظمها ، وإنما قصدت التأكيد مسبقا على أن معاني القرآن في ذاتها إعجاز ، ثم إن نظمها بأسلوب خاص إعجاز آخر ، وقد قصدت بهذا العنوان التركيز على ظاهرتين بارزتين في نظم المعاني القرآنية ، وهما معا مأخوذتان من كلام عبد القاهر في دلائل الإعجاز :
الأولى : اتحاد أجزاء النظم ودقة صنعه حتى يدخل في النمط العالي والأعلى .
الثانية : غزارة مزايا النظم لتعدد متصرفات عناصر النظم .
أما المزية الأولى فنص عبد القاهر فيها قوله : " واعلم أن مما هو أصل في أن يدق النظر ويغمض المسلك في توخى المعاني التي عرفت أن تتحد أجزاء الكلام ويدخل بعضها في بعض ، ويشتد ارتباط ثان منها بأول . . . " « 1 » ويستشهد لها من الشعر من نحو قول البحتري يزاوج بين معنيين في الشرط والجزاء معا :
إذا ما نهى الناهى فلجّ بي الهوى * أصاخت إلى الواشي فلجّ بها الهجر
وقوله :
إذا احتربت يوما ففاضت دماؤها * تذكرت القربى ففاضت دموعها
ونوع آخر منه قول سليمان القضاعي :
فبينا المرء في علياء أهوى * ومنحط أتيح له اعتلاء
وبينا نعمة إذ حال بؤس * وبؤس إذ تعقبه ثراء
ونوع ثالث وهو ما كان كقول كثير :
وإني وتهيامى بعزة بعد ما * تخليت مما بيننا وتخلت
لكالمرتجى ظل الغمامة كلما * تبوأ منها للمقيل اضمحلّت
هامش
( 1 ) دلائل الإعجاز 93 .