تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة ) — صفحة 251

مساهمون:

ص٢٥١
وغزارة الدلالات القرآنية بالتضمن والتولد والتنامى والتلاقى أمره عجب ويحتاج إلى درس متخصص مستقل ولعل هذا التكاثر المتدفق كان من دواعي روعته التي تستحوذ على الأفئدة عند أولى الألباب وكان من مظاهر هذا التكاثر والتنامى تعدد التفسيرات وتجددها دون تدافع بينها أو تصادم ، حتى يرد الآية الواحدة اللغوي والبلاغي والفقيه والمشتغل بالعلوم كونية أو فلكية فيجد كل ما يفيده ويروى ظمأه ، فسبحان من أحكم آياته وفصلها بحكمة وخبرة وتقدير . ويحضرني في هذا السياق نص لابن الجوزي يتحدث فيه عن فضل رسول اللّه ( صلي اللّه عليه وسلم ) عمن سواه من الأنبياء ، وهذا النص يرتقي في سلم البلاغة درجات كبيرة لا بما فيه من وسائل البيان والتلوين البلاغي أو الإيقاع النغمي والبديعي ، ولكن بما فيه من توظيف المعاني القرآنية ذات الدلالات الغزيرة بالرمز والتلميح والإيماء بحيث يحتاج المتابع لهذا النص إلي وقفات عدة يطيل فيها التأمل والاستحضار لأنه لا يقتبس ولكنه يرمز ويومئ ، يقول : " ولقد شارك الأنبياء في فضائلهم وزاد ، أين سطوة ( لا تذر ) من علم " اهد قومي " ؟ أين انشقاق البحر من انشقاق القمر ؟ أين انفجار الحجر من نبع الماء من بين الأصابع ؟ أين التكليم عند الطور من " قاب قوسين " ؟ أين تسبيح الجبال في أماكنها من تقديس الحصى في الكف ؟ أين علو سليمان بالريح من ليلة المعراج ؟ أين إحياء عيسى الأموات من تكليم الزراع ؟ كل الأنبياء ذهبت معجزاتهم بموتهم ومعجزة نبينا الأكبر قائمة على منار ( لأنذركم به ومن بلغ ) تنادى ( فأتوا بسورة من مثله ) " « 1 » . فإن قيمة هذا النص مستمدة من استحضار المعاني القرآنية الغزيرة مع المواقف المعجزة والرمز إليها بكلمة أو جملة من القرآن بحيث لا يدرك مغزى الرمز إلا من له بالقرآن صلة ، وهذه طريقة نادرة في توظيف النصوص الأخرى واستحضارها ، فلا تجدها عند توظيف نصوص بشرية مهما كانت طريقة التوظيف : اقتباسا أو تضمينا أو رمزا أو كما يسمونه حديثا بالتناص ، وذلك إنما
هامش
( 1 ) المدهش لأبى الفرج جمال الدين بن الجوزي - دار الكتب العلمية . بيروت ص 125 .