فإن هذا قول من يحدق في جملة من القرآن دون نظر في سائر السياق ، وعد إلى الجملة السابقة لتجد قبلها قوله سبحانه :
( أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ )
. . فهذا من طرق الاستدراج الذي يسلم للخصم بادعائه استدراجا حتى يعقب بالحجة الملجمة ، فلقد كانوا يقولون عن القرآن : افتراه محمد وجاء به من عنده لا من عند اللّه ، فقال لهم اللّه سبحانه : هب أنه افتراه وادعاه وأنتم فصحاء فأتوا بعشر سور مثله مفتريات ، فهذا الطلب على سبيل الجدل مجاراة للخصم ، واللّه سبحانه يعلم أنهم حتى مع هذا لن يستطيعوا ، فلا ينبغي أن يستنتج من هذا أن القرآن معجز بلفظه ونظمه لا بمعانيه ، لأن الأمر ليس مقصودا على الحقيقة وإنما على سبيل الجدل والاستدراج ليعلم الخصم خطأ دعواه .
تكاثر المعاني القرآنية :
من خصوصيات المعاني القرآنية غزارتها وامتدادها وتكاثر دلالاتها ومع أن الكلام العربي لا يخلو من الإيجاز ، ومع أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أوتى جوامع الكلم فإن التفاوت يبدو جليا في نسبة الإيجاز ومداه وكيفيات النظم الذي تؤدى إليه ، فالإيجاز في القرآن يصل إلى مدى لا يبلغه أي كلام بشرى ، ويتأتى بطرق من النظم لا نظير لها في أي نتاج بشرى .
وغزارة المعاني القرآنية أو تكاثر دلالاتها يأتي من نواح عدة وكيفيات متنوعة ذكرت طرفا منها في " غرائب الإعجاز والنكات في مقامات أسباب النزول " ، فليراجع الباب الثاني ، لكني هنا أضيف لمحة خفيفة هي أن حيز الأسلوب القرآني ونظومه تتسع لما لا يتسع له أي أسلوب بشرى وذلك بحكمة اللّه تعالى ولطيف قدرته ، فسورة الفاتحة مثلا ، والتي لا تزيد عن سبع آيات قصيرة تتسع لمعان ليس لها نهاية ، ومع أن المسلم يجب أن يتأملها وهو يتلوها ، فإن الوقت المحدد لقراءتها في الصلاة لا يسمح لالتقاط كل دلالاتها ، لذلك لم يكن من العبث إعادة قراءتها في كل ركعة ليتجدد التأمل في معانيها مع كل قراءة ، ولعل من أسرار تعدد ركعات صلاة الوقت الواحد مع ترديد الفاتحة ركعة بعد ركعة هو علم المشرع سبحانه بقصور الطاقة الفكرية للبشر عن استيعاب معاني تلك السورة في قراءة المرة الواحدة .