تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة ) — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
ومن هذه الموازنة يتبين أن الفرق يكمن في خصوصية المعنى القرآني ، وأن النظم القرآني وما فيه من تصوير إنما جاء استجابة لتحقيق أغراض دينية ومعان قرآنية جديدة لا عهد للعرب بها ، فالنظم القرآني معجز لإعجاز ما يتضمنه من معان ، ولا ريب في أن أهم وجوه الإعجاز القرآني كان فيما تجدد من معان لم يعهدها العرب ولا قدرة لهم عليها ، وأن خصوصية تلك المعاني هي التي أدت إلى خصوصيات النظم والتصوير ، ولعل هذا هو خلاصة ما شرق حوله عبد القاهر وغرب في كتابه " دلائل الإعجاز " .

إعجاز المعاني مقدم على إعجاز النظوم والألفاظ :

إذا كانت ألفاظ القرآن ونظومه محصورة في آيات القرآن وسوره ولا تزيد عما بين دفتي ذلك المصحف الشريف فإن معانيه بحر بل بحور متسعة ليس لها نهاية ؛ لأن لآيات القرآن معاني ظاهرة ووراء المعاني الظاهرة معان ثوان ، ووراء المعاني الثواني معان أخر لا تنتهى ، ولا يمكن أن يقف على منتهى مراد اللّه تعالى من كلامه إلا اللّه سبحانه ، أما البشر ، فكل يقف عند حدود ما هداه اللّه إليه ، والعطاء يتجدد بتجدد المتأملين ولا ينتهى ، يقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من خطبة له وهو يذكر القرآن : " وهو الفصل ليس بالهزل ، له ظهر وبطن ، فظاهره حكم وباطنه علم ، عميق بحره ، لا تحصى عجائبه ولا يشبع منه العلماء " « 1 » . وإذا دار الإعجاز بين المعاني وبين نظومها وألفاظها ، فإن الإعجاز يكون بالأصالة لغير المحدود الذي لا ينتهى عده ولا يمكن حصره وهو المعاني ، فذلك مقدم في الإعجاز على ما نحيط به عدا وحصرا وهو الألفاظ والنظوم . ولا يغرنك أن البعض حصر الإعجاز في نظوم التأليف دون المعاني اعتمادا على قوله تعالى :
( قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ )
. . الآية 13 من سورة هود .
هامش
( 1 ) حياة الصحابة محمد يوسف الكاندهلوي . دار القلم بيروت 1 / 218 عن كنز العمال .