تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة ) — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
2 - أن ذلك المعنى عنصر في نظم المقابلة التي تبرز منتهى التنافي بين الحال الراضية المستبشرة للمؤمنين والحال الساخطة التعسة للكافرين يوم القيامة ، فالذين أحسنوا لهم الحسنى وزيادة ، ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة ، والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة مثلها وترهقهم ذلة . . . كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما ، لكن تصوير سود الوجوه في الشعر والنثر مقصود لذاته ، مستقل بنفسه ، فكون الجزء الذي لا يستقل بنفسه - في الآية - يأتي بصورة نادرة جديدة تفوق تصوير المستقل بنفسه في الشعر والنثر دليل على إعجاز الصورة القرآنية . 3 - ومع أن ابن الرومي بدأ المشبه به بالأداة ( كأنما ) كما بدأ بها القرآن ، وجعل الدجى كأنها تأوى إلى وجه ذلك الشخص ليجارى ما في الآية من قطع الليل المظلم التي غشت وجوه الكافرين ، لكن ذلك عنده بسبب القبح ، لكنه في القرآن بسبب الذلة ، وهي معنى نفسي يظهر أثره في الوجوه حلكة وقتامة ، فالصورة القرآنية تربط بن المشاعر الداخلية والآثار الحسية المترتبة عليها ربطا طبيعيا يفتقده تشبيه ابن الرومي الذي يصور قبحا محسوسا بظلام محسوس ، فلا بد أن يكون المشبه به أقوى ، وهذا ما ألجأه إلى المبالغة في المشبه به إذ جعل الدجا هي التي تأوى إلى ذلك الوجه . ولم تكن الصورة القرآنية بحاجة إلى تلك المبالغة ؛ لأن المعاني النفسية تتلمس من المحسوسات ما يصورها تصويرا كاشفا وهي قانعة بهذا دون حاجة إلى مبالغة . 4 - تفتقد الصورة الشعرية إلى ما يوحى به ذكر الليل في الصورة القرآنية ، فلقد كان الليل عند العرب مخوفا مرهوبا ، وهذا هو السبب في أن التعبير القرآني لم يكتف بأن يقول مثلا : كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الظلام ، ولكن قال : ( قطعا من الليل مظلما ) ليمتلئ الحس بالليل المرهوب الذي يتجزأ ظلامه إلى قطع تغشى وجوه الظالمين وتكسوها ظلاما وكل هذه الميزات مما تفتقدها صورة شريح كذلك .