ثانيا : خصوصية المعنى القرآني سبب خصوصية النظم والتصوير :
إن خصوصية النظم والتصوير في القرآن الكريم مستمد من خصوصية المعاني القرآنية التي لا ترد بخواطر بشر إلا مع قراءة القرآن ، ومن قصور الحديث في الإعجاز أن نبحث في خصوصية النظم أو التصوير القرآني دون أن نربط هذا بخصوصية المعاني القرآنية ؛ لأن هذه هي التي تستدعى تلك .
وأحيلك في هذا على الموازنات التطبيقية في الفصل الثالث ، وأختصر بعض الشواهد التي سيقت هناك مما ترى فيه خصوصية التصوير القرآني مستمد من خصوصية المعنى ، فمن ذلك قوله تعالى :
( وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ )
[ يونس : 27 ] .
اقتفى ابن الرومي هذه الصورة وهو يصف وجه رجل بالقبح فيقول :
كأنما تأوى إليه الدجا * إذا هي انفضت عن الفجر
وقول شريح القاضي لرجل مسلم غفل عن حجته مع ظهورها وهو يخاصم رجلا كافرا ، قال له : " قم عنى فإني أرى ظلمة الكفر على وجه هذا أظهر من نور الإسلام على وجهك " « 1 » .
فعند المقارنة « 2 » نجد التشبيه القرآني ينفرد بخصوصيات عدة لا توجد في غير منها :
1 - أنه جاء تصويرا لآثار الكرب والذلة على وجه الكافرين يوم القيامة ، فهو يتناول معنى فريدا لا عهد للعرب به ، ولهذا جاء التشبيه فريدا في بابه ، فجدة الصورة من جدة المعنى الذي يصوره التشبيه .
هامش
( 1 ) هذان الشاهدان من كتاب " الجمان في تشبيهات القرآن " 88 .
( 2 ) يتجه البعض إلى التفريق بين الموازنة والمقارنة تفريقا غير مستمد من خصوصية الدلالة اللغوية في كل منهما وإنما يعتمد على مجرد الاصطلاح فالموازنة بين الآداب المحلية والمقارنة بين الآداب العالمية وهو تفريق غير ملزم في مجال الدراسة لقرآنية لأن القرآن ليس نصا أدبيا ولكنه تنزيل معجز .