تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة ) — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
مع أن الحق أن المعاني ونظمها إعجاز في إعجاز يعنى إعجاز المعاني في إعجاز النظم ، والعبارة المختصرة التي تؤدى هذا هو إعجاز نظم المعاني القرآنية . وقد نبه عبد القاهر إلى نحو هذا وهو يتحدث عن مفهوم النظم بقوله : " ليس الغرض بنظم الكلم أن توالت ألفاظها في النطق ، بل أن تناسقت دلالاتها وتلاقت معانيها على الوجه الذي اقتضاه العقل " « 1 » فالنظم عنده نظم معان وتنسيق دلالات ، وليس نظم ألفاظ ونطق حروف . بل كان يرى أن المعاني هي التي تتخلق أولا على نسق يؤدى إلى ترتيب ألفاظها الدالة عليها في النظم ، يقول : " إن الألفاظ إذا كانت أوعية للمعاني ، فإنها لا محالة تتبع المعاني في مواقعها ، فإذا وجب لمعنى أن يكون أولا في النفس وجب للفظ الدال عليه أن يكون مثله أولا في النطق " . وينفى عبد القاهر أن تكون الألفاظ سابقة أو أن تكون لاحقة في مرحلة منفصلة عن مرحلة تكوّن المعاني ، بل يؤكد على أن المعاني إذا تخلقت في الفكر تلبست بالألفاظ الدالة عليها على نسقها وترتيبها ، فليست هناك لحظتان : أولى لتخليق المعاني ، وثانية لتوليد الألفاظ الدالة ، ولكنها مرحلة واحدة ، يقول : " فأما أن تتصور في الألفاظ أن تكون قبل المعاني بالنظم والترتيب ، وأن يكون الفكر في النظم الذي يتواضعه البلغاء فكرا في نظم الألفاظ ، أو أن تحتاج بعد ترتيب المعاني إلى فكر تستأنفه لأن تجئ بالألفاظ على نسقها فباطل من الظن " « 2 » . كل هذا يرشح لما أحرص عليه من القول في مجال الدراسة القرآنية عن الإعجاز " إعجاز نظم المعاني " بدل القول الشائع إعجاز النظم ؛ لما يتبادر إلى الأذهان من أن المقصود هو نظم الألفاظ وضم الكلمات ، وكم عانى عبد القاهر وهو ينفى هذا المفهوم المتبادر الذي كان سائدا ، يقول : " ومما يلبس على الناظر في هذا الموضع ويغلطه أن يستبعد أن يقال : هذا كلام قد نظمت معانيه ، فالعرف كأنه لم يجر بذلك ، إلا أنهم وإن لم يستعملوا النظم في المعاني فإنهم قد استعملوا فيها ما
هامش
( 1 ) دلائل الإعجاز 50 . ( 2 ) دلائل الإعجاز 52 .
إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة ) — صفحة 245 | محمد ابراهيم شادي