أولا : خصوصية المعاني القرآنية :
عندما نراجع أقوال العلماء التي تنبه إلى إعجاز القرآن بمعانيه نجد اهتماما واضحا للخطابي بمعانى القرآن المعجزة في إطار منظومة متكاملة من الألفاظ والمعاني والنظوم التي تأتلفها ، وهذا ظاهر في عبارته المشهورة : " واعلم أن القرآن إنما صار معجزا لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف مضمنا أصح المعاني " « 1 » .
وكانت هذه نظرة متكاملة ما يلبث أن يؤكدها وهو يعدد ضروبا من أصح المعاني في قوله : " من توحيد اللّه عزت قدرته وتنزيه له في صفاته ، ودعاء إلى طاعته وبيان منهاج عبادته . . . " حتى يصل إلى التأكيد على أن هذه المعاني المعجزة مرتبطة بوضعها في نظمها وسياقها الخاص يقول : " واضعا كل شئ موضعه الذي لا يرى شئ أولى منه ، ولا يرى في صورة العقل أمر أليق منه " 28 نفسه .
على أنه لا ينبغي أن يغيب عنا أن مجيء القرآن بمعان لا قبل للعرب بها ولا عهد لهم بمثلها هو في ذاته من الإعجاز ، لذلك نجد الخطابي يستدرك إلى هذا ببيان أنه معلوم ، يقول : " ومعلوم أن الإتيان بمثل هذه الأمور - المعاني القرآنية - والجمع بين شتاتها حتى تنتظم وتتسق أمر تعجز عنه قوى البشر " 28 نفسه .
هذا ما أردت التأكيد عليه ، وهو أن الإتيان بهذه المعاني القرآنية في ذاتها إعجاز لأنه لا عهد للعرب بمثلها ، ثم إن الجمع بين شتاتها - على كثرتها وغزارتها - حتى تنتظم وتتسق إعجاز آخر .
لقد كانت هذه الوقفة ضرورية لا سيما وقد شاع أن القرآن معجز بنظمه ، وهي قولة حق ، ولكن فهم كثيرون منها أن الإعجاز محصور في كيفيات التأليف والنظم دون نظر للمعاني التي يضمها النظم والتي هي في حد ذاتها إعجاز آخر ،
هامش
( 1 ) ثلاث رسائل في إعجاز القرآن 27 .