لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ )
[ يوسف : 37 - 40 ] .
ثم يلي ذلك تعبير رؤيا كل منهما تعبيرا موجزا . والمهم أن النص القرآني يكتسى بملامح ظاهرة تدل على أنه الوحي المنزل من عند اللّه ؛ إذ يذكر ما لا يوجد في رواية العهد القديم من حدث مهم يتسق مع نبوة يوسف عليه السلام ، فبعد أن قصّ عليه صاحباه ما رأيا وجدها فرصة وهم في قمة اليقظة والترقب والاستشراف ليبثّ لهما دعوة التوحيد إلى اللّه سبحانه ويقدم لهذا بمعجزة مبهرة تضمن السيطرة على حواسهما والاستمالة الفكرية إلى دعوته فلا يملكان بعدها إلا التصديق والإيمان ، تلك المعجزة هي أنه لن يدخل عليهما طعام قبل أن يعبر لهما رؤياهما ، وكان ما أخبر به .
إن وجود هذا الموقف في القصة القرآنية يضفى مصداقية عليها كنص مقدس منزل من عند اللّه لدلالته على أن قصص القرآن ليس على طريقة قصص البشر الذي يهدف إلى التسلية على النحو الذي رأينا في نصوص العهد القديم إذ تخلو من دعوة يوسف صاحبيه إلى وحدانية اللّه سبحانه مع أنها الغاية الأساسية من أي نص مقدس منزل من عند اللّه سبحانه .
ولا عجب في هذا فقد ثبت تاريخيا أن النص الأصلي للتوراة تعرض للتحريف عند كتابة الأسفار المختلفة كسفر التكوين والخروج وغيرهما من أسفار العهد القديم بعد عصر موسى عليه السلام بستة قرون أو يزيد ، ثم تعرض للزيادة والنقصان تحت تأثير الأهواء المختلفة عند الترجمة من العبرية إلى اليونانية ثم إلى اللاتينية فضلا عن الترجمات الأخرى إلى غيرها من اللغات « 1 » ، فلا عجب أن ينظر إليه باعتباره نصا مقدسا من عند اللّه سبحانه وإنما يبدو واضحا لكل منصف ذي بصيرة غلبة الصبغة البشرية على مبانيه ومعانيه .
هامش
( 1 ) راجع الأسفار المقدسة في الأديان السابقة للإسلام من 17 إلى 22 د . على عبد الواحد وافى ، دار نهضة مصر بالقاهرة .