تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة ) — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
الفرق الثاني : جاء جواب يوسف عليه السلام - في العهد القديم يقدم حفاظه لمولاه على خوفه من اللّه ، وراجع كلامه لترى أنه أطال في الحديث عن ولائه لسيدة أو لا وأوجز في الإشارة إلى الخوف من اللّه ثانيا . لكن النص القرآني يقدم ذكر اللّه ويستعصم به في أول كلمة ينطقها
( مَعاذَ اللَّهِ )
ثم يليه حفاظه على عرض مولاه الذي أحسن إقامته ومعاملته
( إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ )
ثم يختم جوابه بالتأكيد على أن هذا الذي تطلبه ظلم وتجاوز للحدود ولا فلاح عند اللّه للظالمين
( إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ )
. وهذا هو برهان اللّه ونوره الذي يقذف به في قلوب من عصمهم من أوليائه وخلصائه . هذا الترتيب التلقائي في عرض المعاني هو الذي يتناسب مع منطق نبي اصطفاه اللّه ، مما يحمل أي متابع محايد على الإقرار المطمئن إلى أن ما ورد في القرآن هو الصحيح وهو المناسب لجلال الوحي المتنزل من عند اللّه سبحانه . ومما سبق نفهم معنى قوله تعالى :
( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ )
. . فالمراد : لقد همت به ولولا برهان ربه ونوره وعصمته لهمّ بها « 1 » ؛ لأن الفتنة كان شديدة إلا على من عصم اللّه . وليس المعنى أنه كان منه كما كان منها من إقبال راغب واستعداد وعزم لولا أن رأى برهان ربه ، والعجيب أن ينسب أكثر من هذا إلى علىّ بن أبي طالب ، فقد أخرج أبو نعيم في " الحلية " عن علي ابن أبي طالب في قوله :
( هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها )
قال : طمعت فيه وطمع فيها ، وكان فيه من الطمع أن همّ أن يحل التكّة . . . لولا أن رأى برهان ربه " « 2 » وهذا مستبعد بدليل أن أول كلمة نطق بها في رده على طلبها
( قالَ مَعاذَ اللَّهِ )
وهو احتماء واستعصام باللّه ، واللّه يعصم من استعصم به حتى من مجرد التفكير .
هامش
( 1 ) ذهب في نحو هذا أبو حاتم قال كنت اقرأ على أبي عبيدة غريب القرآن فلما اتيت على قوله :( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها )قال هذا على التقديم والتأخير كأنه قال : ولقد همت به ولولا أن أرى برهان ربه لهمّ به راجع فتح القدير 1 / 1070 . ( 2 ) نفس المصدر والصفحة .