تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة ) — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
وفي مقابل هذا نجد تعبير القرآن عن هذا الموقف يتناسب مع جلال الوحي الذي نزل به جبريل من عند اللّه سبحانه على قلب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم « 1 » فقد جاء بالكلمات الموجزة التي تحمل وراءها دلالات ومواقف وإشارات مثل كلمة
( وَراوَدَتْهُ )
وهي من رادت الإبل إذا أخذت تذهب وتجئ بحثا عن صغارها أو بحثا عن المرعى ، فهو لفظ يستمد من أصل استعماله قلقا كبيرا قد استبدّ بسيدة القصر بسبب الرغبة المسعورة مع محاولات التماسك حتى لا تسقط هيبتها في نظر عبدها ، كل هذا يدل عليه ويشير إليه الفعل ( رواد ) والتعبير عنها باسم الموصول وصلته
( الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها )
يشير إلى أن كونه في بيتها وتحت سيطرتها يجعلها واثقة من استجابته لرغبتها ووقوعه تحت تأثيرها ، كما يشير إلى صعوبة إفلاته من سيطرتها واستحواذها ، فكونه يفلت على الرغم من كل هذا لدليل على عفته ونزاهته . والقرآن يترفّع عن تعبيرات العهد القديم ، فلا يرد فيه لفظ المضاجعة ، ولكن جاء قوله تعالى على لسانها :
( هَيْتَ لَكَ )
وهو لفظ موجز موح ويعنى : هلمّ وتعال وقرأ ابن عامر وأهل الشام بكسر الهاء وبالهمزة وفتح التاء ( هئت ) وغيرهم بهذا مع ضم الهمزة فتكون بمعنى : تهيأت ، وأنكر أبو عمرو والكسائي هذه القراءة وقال الكسائي هي جيدة عند البصريين « 2 » ، وربما استجادوها لتناسبها مع الجار والمجرور بعدها ( لك ) وفيها معنى التنازل وأنها تعطيه فرصة ما كان يحلم بها ، لهذا كان قوله :
( مَعاذَ اللَّهِ )
صدمة أفقدتها توازنها ليقينها أن مثلها لا يرفض ، فشرعت تكيد له . وخلاصة هذا أن تعبير القرآن عن طلب المرأة جاء موجزا مهذبا بما يتناسب مع جلال الأسلوب القرآني وبما لا يخل بمراد المرأة في طلبها بخلاف ما جاء عليه تعبير العهد القديم الذي تكرر فيه طلب المضاجعة .
هامش
( 1 ) قال تعالى :( وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ )[ الشعراء : 192 - 195 ] . وكون النزول على قلب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يعنى أنه كان يسمع من جبريل فيعى ويحفظ قلبه قبل أن يحرك لسانه حتى لا يؤدي تعجله بالنطق إلى الزيادة أو التغيير والتبديل ويؤيده قوله سبحانه في سورة أخرى( لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ )[ القيامة : 16 ] فهذه حكمة النزول على قلب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم واللّه أعلم . ( 2 ) راجع فتح القدير 1 / 1067 .