فالبداية القرآنية تؤكد لكل ذي بصيرة أن هذا حديث اللّه وكلامه ، أما البداية التوراتية فإنها أشبه ما تكون بحديث المخلوقين في جلسة مسامرة . ثم إن العهد القديم يذكر حب يعقوب ليوسف على جميع بنيه وأن إخوته رأوا أباهم يحب يوسف عليهم جميعا فأبغضوه ، لكن القرآن يتجاوز هذه المباشرة ، ويترك لنا فهم هذا الحب من الحوار الذي دار بين الإخوة
( إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ )
[ يوسف : 8 ] . ولا شك أن ما يستنتج من الحوار يكون أوقع في النفوس وأصدق مما يساق مباشرة ، لأن ذكر الحوار يعطي للكلام مصداقية ووثاقة .
2 - الرؤيا وقصتها :
ورد في العهد القديم : " ورأى يوسف حلما فأخبر أخوته به فازدادوا كراهية له ، قال لهم : اسمعوا هذا الحلم الذي رأيته ، رأيت كأنا نحزم حزما في الصحراء فإذا حزمتي وقفت ثم انتصبت فأحاطت حزمكم وسجدت لحزمتي ، فقال له إخوته :
ألعلك تملك علينا ، وازدادوا أيضا حنقا عليه لأجل أحلامه وكلامه ، ورأى أيضا حلما آخر فقصه على إخوته وقال : رأيت حلما أيضا كأن الشمس والقمر وأحد عشر كوكبا ساجدة لي ، وإذ قصه على أبيه وإخوته زجره أبوه وقال له : ما هذا الحلم الذي رأيته ، أترانا نجئ أنا وأمك وإخوتك فنسجد لك إلى الأرض ؟ "
والقرآن الكريم لا يزيد في حكاية الرؤيا عن قوله تعالى :
( إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ * قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ )
[ يوسف : 4 ، 5 ] .
ولا مجال للمقارنة بين فصاحة الكلامين لوضوح الركاكة في نص العهد القديم والذي يسوده التكرار كما تكثر فيه كلمة ( أيضا ) وتكرارها يدل على الضعف ، لهذا تقتصر المقارنة على ما تحمله النصوص من معان .
ففي العهد القديم رؤيتان ، وفي القرآن الكريم رؤيا واحدة ، والروايتان تلتقيان في رؤيا يوسف للشمس والقمر والكواكب تسجد له ، فهل استبعد القرآن رؤيا