وفي تلك البداية المجملة نلحظ أثرا من آثار القوة والعظمة مما يعطي لأولى الأبصار إيحاء باكتساء الأسلوب القرآني بالطابع الإلهي في قوله
( نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ )
. فالبداية بضمير التكلم المجموع يدل على عظمة المتحدث ويناسبه التعبير في الفعل ( نقص ) بالضمير نفسه ، وقد تخيّر حرف الجر ومجروره ( عليك ) للدلالة على نزول من أعلى مما يشير لأولي الأبصار إلى أن هذه خصوصية الوحي ، وبهذا ندرك لما ذا ترك ما قد نظنه هو الأصل وهو " نقص لك " على أن مجيء الخبر بلفظ الجمع
( لَمِنَ الْغافِلِينَ )
دون المفرد كأن يقول مثلا وإن كنت من قبله غافلا للإشارة إلى أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لم يكن وحده الذي لا يعلم هذه القصة ، فالبيئة العربية لم تكن فيها ترجمة عربية للتوراة والإنجيل ، وهذا من حكمة اللّه سبحانه حتى لا يقول أحد بتأثيرهما ، وحاصل هذا أن خصوصيات قوله
( نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ )
وقوله
( وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ )
تدل أن قصة يوسف بوحي من اللّه ، وقد صرح بهذا في وسط الآية
( بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ )
.
فالبداية القرآنية لقصة يوسف تتسم بعظمة المتحدث ، وأنه هو اللّه الذي يوحي لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأن محمدا لم يكن عنده علم سابق بهذه القصة حتى لا يتوهم واهم أن القصة مما اختزنه من علم سابق .
لكن العرض التوارتي يبدأ بالسرد التفصيلي الذي لا أثر فيه لطابع الوحي الإلهي مثل : " لما كان يوسف ابن سبع عشرة سنة وكان يرعى الغنم مع إخوته وهو غلام مع بنى بلهة وبني زلفة امرأتي أبيه أخبر يوسف أباهم عنهم بريبة شنيعة ، وكان إسرائيل « 1 » يحب يوسف على جميع بنيه لأنه ابن شيخوخته ، فصنع له قميصا موشّى " .
يتجاوز القرآن كل هذه التفصيلات فلا يذكر سن يوسف بداية ، ولا يذكر رعيه للغنم مع أخوته لأبيه " بنى بلهة وبنى زلفة " إلخ . .
هامش
( 1 ) إسرائيل هو الاسم العبراني ليعقوب عليه السلام وقد اعتمدت في اقتباس نصوص الكتاب المقدس على كأب الظاهرة القرآنية لمالك بن نبي .