المبحث الرابع قصة يوسف بين القرآن الكريم والكتاب المقدس
قد يبدو من المستبعد أن نوازن بين نص معجز هو القرآن وبين نص مترجم « 1 » هو الكتاب المقدس ، بل قد يبدو من السابق لأوانه أن نذكر ما يخطر في نفوس كثير من الباحثين المسلمين من استبعاد الموازنة بين نص معجز لم يطرأ عليه تغيير أو تبديل وبين نص مترجم تعرض لكثير من التغيير والتبديل والحق أن هذا ينبغي أن يترك لنتائج الموازنة التي تركز على الفروق بين المعاني « 2 » للنظر في أي منها هو الصحيح عند الاختلاف بين الروايتين وأيها هو المتناسق الذي لا يناقض بعضه بعضا ، وأيّها هو الذي يظهر فيه أثر القوة والعظمة الإلهية وأيها الذي يحمل الطابع البشري .
على أن المعول عليه في الحكم بصحة أحد المصدرين لن يكون التعصب أو الادعاء وإنما الحكم المنطقي الذي يفصل في صحة الحدث ، وذلك عند تناسقه مع سائر الأحداث ومناسبته للشخصية وموافقته لجلال الوحي وسموه .
1 -
يبدأ النظم القرآني للقصة بالعرض الإجمالي الذي يستدعي التهيئة النفسية تشويقا لما يأتي بعده ، وهي طريقة من طرق الجذب في القرآن الكريم ، وذلك في قوله تعالى :
( نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ )
[ يوسف : 3 ] .
هامش
( 1 ) من الثابت تاريخيا وعلميا أن الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد لم يترجم إلى العربية قبل القرن العاشر الميلادي أي الرابع الهجري ، القرآن معجزة المعجزات . أحمد ديدات ترجمة نبيل هارون ص 15 ، وفي هذا قطع الطريق على من يتوهم أن لنبي الأمي ربما اطلع على كتب سابقة أو بما لديه من ثقافة من دراسات اليهود والنصارى .
( 2 ) للمعاني القرآنية مدخل في الإعجاز لتفردها وتميزها سواء كانت معاني غيبية أم تشريعية أم أخلاقية أم علمية ، وقد قرأ البعض قوله تعالى( قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ )فظن أن إعجاز القرآن بألفاظه ونظومه حسب وليس بمعانيه وذلك بناء على فهم خاطئ للآية لكن الحق أن في الأمر استدراجا ؛ لأن الخصوم يقولون : إن محمدا افترى هذا القرآن ، فرد عليهم بقوله( أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ )يعنى هب أنكم صادقون في دعواكم أن ما يتلوه عليكم من افترائه فهاتوا بمثل ما يأتي به عشر سور مثله مفتريات ، فلا ينبغي أن يفهم من هذا طلبا حقيقيا يستنتج منه أن القرآن معجز بلفظه حسب ، ولكن الأمر للاستدراج ولمجاراة التي تؤدي بالخصم إلى أن يصل بنفسه إلى إدراك عجزه .