أما الصنف المقابل الذي لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى اللّه فمثله كمثل القيعان التي لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ ، فلا انتفع ولا نفع غيره .
وبهذا يتبين أن إجمال الآية القرآنية إنما كان لتتسع مجالات المعنى المراد ، وهذا يتسق مع منهج القرآن وجلال معانيه ، وأن الحديث النبوي على الرغم من تفصيله فإنه يدور في إطار مجالات المعاني المحتملة في الآية القرآنية .
ثم إن البيان النبوي في هذا الحديث وإن اتجه للتفصيل والتوضيح عن طريق ضرب المثل فإنه مع هذا يحرص على إبقاء المغزى من إجمال التعبير القرآني وذلك عندما دمج نوعي الصنف الأول الذي علم وعلم وذلك التماسا للعذر وتخفيفا عن أحدهما الذي نفع غيره ولم ينتفع ، وإشارة إلى أنه لا يحرم من الثواب بمقدار ما حمل وتعب حتى نقل غيره عنه ، وحرصا على استلهام دلالة النص القرآني المعجز والذي أطلق الفعل ولم يحدد المفعول .
وتبقى الفروق بين البيان القرآني والبيان النبي كثيرة ، ولكن فقط أشير إشارة مجملة إلى عنصر التصوير بالأمثال ، فأمثال القرآن تتجه في الغالب إلى تصوير أفكار عقائدية تتصل بالإيمان والكفر وإخلاص الوحدانية للّه تعالى ونفى الشركاء ، وعبادة اللّه وحده وإخلاص التوجه إليه ، لكن أمثال الحديث النبوي تنتشر في كل المعاني بما ينسجم مع غايات البيان النبوي وأهمها تفصيل ما أجمل من القرآن وبيان ما قد يغمض على سائر الناس ، وتقريب المعاني عموما ولفت الناس إلى الفضائل وترغيبهم فيها وإقناعهم بالفروض وحثهم عليها .
وهذا أمر يحتاج إلى تفصيل مستفيض للوقوف على المعاني وكيفيات تصويرها والفروق بين تلك الكيفيات للوصول إلى خصوصيات البيان القرآني المعجز ، فلعل اللّه سبحانه ييسّر لذلك مستقبلا .
إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة ) — صفحة 199
مساهمون: محمد ابراهيم شادي
ص١٩٩