تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة ) — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
أصاب الأرض ، فكان منها طائفة طيبة خصبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع اللّه به الناس فشربوا وسقوا وزرعوا وهذان معا في حكم الصنف الواحد الذي يدخل في قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : " فذلك مثل من فقه في دين اللّه ونفعه ما بعثني اللّه به فعلم وعلم " ويبدو أن الحديث الشريف إنما تغاضى عن ذكر الذي حفظ العلم ونقله لغيره ولم ينتفع هو به في جانب الممثل له تقليلا من اللوم عليه ، واكتفاء بالإشارة إليه في الصورة الممثل بها ابتداء ، وذلك لأن هذه المسألة تعود في غالب الأمر إلى المواهب والقدرات ، وهؤلاء الذين نفعوا غيرهم ولم ينتفعوا ، إذا تأملنا حالهم وجدنا أنهم ما منعهم من نفع أنفسهم إلا جمود في التفكير وكزازة في الفهم ، ولعل هذا ما يشير إليه تصويرهم ابتداء بالأجادب ، فهؤلاء ليسوا في قدرتهم كمن تقبل الفكرة وحركها في نفسه فتشربها قلبه ، وسرت في روحه ، فأورقت وأثمرت وتفتقت عنها صور جديدة ، فهؤلاء الذين حفظوا العلم ولم ينتفعوا به معذورون على كل حال ، وحسبهم أنهم حفظوا العلم ونقلوه لغيرهم ، ومن أجل هذا تغاضى البيان النبوي عن ذكرهم في تفسير وبيان الذين ضرب لهم المثل مكتفيا بالطرفين المتناقضين اللذين تبدو بينهما هوة واسعة في قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : " فذلك مثل من فقه في دين اللّه . . . فعلم وعلّم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى اللّه الذي أرسلت فيكون الطرف الثاني الذي حفظ العلم ولم ينتفع به قد دخل ضمنا في الأول الذي علم وعلم . ولعل البيان النبوي عندما دمج هذين الصنفين في صنف واحد كان يستوحي إجمال البيان القرآني وعمومه عندما قال :
( هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ . . )
ولا شك أن الذين يعلمون أصناف وأنواع ، على أنه أبقى على عموم الذين
( يَعْلَمُونَ )
ليقابله بالذين
( لا يَعْلَمُونَ )
، ومع أن الحديث النبوي فصل في تصوير الذين ( يعلمون ) وأن منهم من وعى وفهم وعلم غيره ، ومنهم من حفظ العلم دون فهم ونقله لغيره ، فإنه في الوقت ذاته أدمج عند الكشف عنهما في جانب الممثل له كما لو كان يتحدث عن صنف واحد بقوله : " فذلك مثل من فقه في دين اللّه ونفعه ما بعثني اللّه به فعلم وعلم .