كلأ ، فذلك مثل من فقه في دين اللّه ونفعه ما بعثني اللّه به فعلم وعلّم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى اللّه الذي أرسلت به " « 1 » .
وبالتأمل في الجملة القرآنية السابقة نجد لها سياقا خاصا بمن يقنت للّه آناء الليل ساجدا وقائما حذرا ورجاء ، وأنه لا يستوى بمن لا يعبأ بذلك ولم يمس الإيمان قلبه ، وأن الأول علم حق اللّه عليه ، والثاني لم يعرف شيئا من ذلك فلا يستويان ، ومع هذا فقد جاء قوله سبحانه :
( هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ )
من العموم بحيث يضم كل ما يمكن أن يدخل في إطار العلم ، وكل ما يمكن أن يخرج عن إطاره أي كل ما يتعدى إليه العلم مثبتا أو منفيّا ، وعلى هذا يمكن أن يكون الحديث النبوي تفصيلا من تفصيلات الآية الكريمة ونموذجا من نماذج الذين يعلمون والذين لا يعلمون ، لأن عموم الآية جعل فيها سعة أو اتساع يقبل توجيهات كثيرة وأصنافا عديدة ممن ينطبق عليه العلم أو عدم العلم ، وتكون هذه الآية مثالا لما يترتب على الحذف « 2 » من توسيع المعنى وإطلاقه ، ويكون ترك الذكر أفصح من الذكر ، والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة كما ذكر عبد القاهر رحمه اللّه « 3 » ويكون من غايات إجمال الآية أن تتناول المعنى قبلها في إطار سياقها الخاص ثم تتناول معه ما سواه ممن يدخل في إطار الحرص على العلم الدال على القلب الواعي ، أو إيثار الجهل الدال على القلب الغافل الخامل المستهتر .
أما الحديث النبوي فإنه تفصيل لجانب من جوانب المعنى الذي تتناوله الآية الكريمة ، إذ سلط الضوء على العلم والهدى الذي بعث به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من حيث مواقف الناس منه ، فكان هناك صنفان من الناس : صنف تلقاه بالقبول والرغبة والحرص فتشبعه ووعاه وتشربه ومتى صار كذلك فإنه ينتفع بما علمه ، ويصبح قادرا على أن ينفع به غيره وينقله إليه كما تلقاه ، ويدخل في هذا ويلحق به من وعى العلم ولم تكن له قدرة على أن يتشربه ولا أن يسرى في دمه ولحمه وعظامه ، وإنما حفظه ونقله لغيره فانتفع به غيره ، فمثل هذين كمثل غيث
هامش
( 1 ) مختار الأحاديث النبوية 115 .
( 2 ) والمحذوف هنا هو المفعول لأنه ترك الفعل الصالح للتعدية بدون تعدية فلم يقل يعلمون ما ذا أو لا يعلمون ما ذا .
( 3 ) دلائل الإعجاز تحقيق محمود شاكر 146 مكتبة الخانجي بالقاهرة .