بالأكل خاصة من باب النهى عن أشنع صور الفعل كما عبر بالأكل في جانب الربا في قوله تعالى
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )
[ آل عمران : 130 ] ، مع أن النهى عن الانتفاع يكون هنا مطلقا ، ولكنه من باب النهى عن أشنع صور الفعل لإدخال الروع والرعب في النفوس ، ولا شك في أن كل نفس حرة كريمة لا ترضى أن تملأ بطنها من مال يتيم أو من مال جاء من الربا لأنه صورة من صور استغلال حاجات المضطرين واستنزاف دمائهم ، بل هو أبشع تلك الصور على الإطلاق .
وقد اقتبس الحديث النبوي الشريف هذا اللفظ - على طريقة البيان النبوي في التأثر بالتوجيهات القرآنية شكلا ومضمونا في كثير من الأحيان ، وذلك في الجملة السابقة من الحديث وهي قوله صلى اللّه عليه وسلم في ضمن ما أمر باجتنابه : " وأكل مال اليتيم " .
والحاصل من هذا أن العبارة عن التحذير من أكل أموال اليتامى في القرآن قد بسطت إلى حد ما بالقياس إلى عبارة الحديث النبوي عن هذا المعنى وذلك لخصوصيات ومعان إضافية ليست في الحديث النبوي كما سلف ، فليست المسألة زيادة ألفاظ ولكنها زيادة معان بالدرجة الأولى .
6 - وقد تجد أصل المعنى واحدا ، ولكن ذهبت به الآية إجمالا وذهب به الحديث الشريف تفصيلا ، ثم تفاوت الأسلوب تفاوتا يجعل لكل طريقة وظيفة ولكل صياغة خصوصية وسياق ، من ذلك قوله تعالى :
( هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ )
[ الزمر : من الآية 9 ] . وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم فيما رواه أبو موسى الأشعري : " مثل ما بعثني اللّه به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع اللّه بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا ، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنب